في أقصى شمال الكرة الأرضية، حيث يصنع الصمت الأبيض سيمفونية من العزلة والجمال القاسي، لم يعد صوت تكسر الجليد هو الوحيد الذي يكسر هدوء القطب الشمالي؛ بل ثمة ضجيج جديد يتصاعد من محركات كاسحات الجليد العملاقة، ومن صدى التصريحات السياسية النارية للقوى الكبرى المعنية. . إنها طبول "حرب باردة" جديدة، تقرع من جديد على وقع المصالح والموارد لتحول جليد الدائرة القطبية إلى حلبة صراع جيوسياسي ملتهب، تمتد عبر دائرة عرض 66° شمالاً، على حدود ثمان دولٍ هي: الولايات المتحدة (عبر ألاسكا)، روسيا، كندا، النرويج، الدنمارك (عبر غرينلاند)، أيسلندا، السويد، وفنلندا.
هذه المرة وفي هذه النقطة النائية من العالم ، ليست البنادق او خرائط الجرف القاري هي من سيرسم حدود الصراع ويثبت دعائم السيادة فوق جليدها الذائب ، بل سترسمه مصالح وأطماع القوى الكبرى وكاسحات الجليد، ومنصات التنقيب فيها ؛ فمنطقة القطب الشمالي لم تعد ذاك المحيط المنجمد الشمالي المنعزل ، بل تحولت بفعل ظاهرة الاحتباس الحراري وذوبان الجليد فيها الى "بحر يتوسط أضلاع المثلث الاقتصادي والعسكري العالمي: أمريكا الشمالية، أوروبا، وآسيا (عبر روسيا) بمعابر وقنوات ملاحية ستستثمرها بشغف القوى الكبرى كبديل عن قناة السويس ومضيق ملقا، لاختزال رحلات بحرية تجارية وحربية طويلة بين اطراف تلك القوى .
من منظور عسكري، تمثل المنطقة موقعاً استراتيجياً لرصد الصواريخ وإطلاق الغواصات، حيث توفر المياه القطبية غطاءً مثالياً للغواصات النووية الاستراتيجية، مثلما توفر القدرة على الإنذار المبكر والردع النووي.
ومن منظور اقتصادي تحتفظ المنطقة تحت قاع محيطها بنحو 22% من الاحتياطيات العالمية غير المكتشفة من النفط والغاز ، بالإضافة إلى ثروات معدنية هائلة من الذهب والألماس والزنك واليورانيوم والعناصر الأرضية النادرة، التي تشكل عصب الصناعات التكنولوجية والعسكرية الحديثة والسيادة الرقمية بضمنها أنظمة توجيه الصواريخ والمقاتلات الشبحية التي تهيمن الصين على سوقها حاليا .
ان ذوبان جليد القطب الشمالي متفاعلا مع إقرار اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار عام 1982 بحقوق الدول على جرفها القاري المغمور، قد اوجد المناسبة والثغرة القانونية التي اشعلت شرارة التنافس المحموم بين القوى الكبرى لفرض سيادتها على موارد المنطقة بداية من روسيا التي كانت السباقة في تقديم مطالبها الى لجنة حدود الجرف القاري التابعة للأمم المتحدة عام 2001،
كونها تمتلك أطول شريط ساحلي قطبي تعده موسكو الحديقة الخلفية الاستراتيجية الذي يضمن لها تدفق قنوات الطاقة وسلاسل الامداد الروسية الى العام مثلما يوفر لها جداراً دفاعياً استراتيجياً.
وفي هذا السياق والمغزى الاستراتيجي أعادت موسكو مؤخراً إفتتاح ( 50 ) قاعدة عسكرية سوفيتية سابقة، بما فيها قاعدة "أركتيك تريفل" الجوية، وأنشأت ألوية عسكرية قطبية متخصصة؛ ونشرت منظومات صواريخ متطورة (S-400) وأنظمة حرب إلكترونية ، كما أطلقت أول غواصة نووية غير مأهولة "بوسيدون" ضمن اسطولها الشمالي المتكون من ( 40 ) كاسحة جليد نووية تمتلك القدرة على الإبحار والقتال في ظروف لا يستطيع غيرها تحملها.
وبعد سنوات من التركيز على الشرق الأوسط وآسيا، استيقظت واشنطن لتجد أن منافسيها روسيا والصين قد سبقوها بخطوات في "فنائها الخلفي المنجمد الذي يعد الحلقة الأضعف من حلقات امنها القومي، ليس بحساب قصر المسافة عبرها لأقرب واخطر منافسيها (الروس) فحسب ، بل بحساب محدودية التواجد الأمريكي على هذه الاصقاع في قاعدة ثول الجوية بالقياس للاهتمام والحضور الروسي المبكر والمكثف فيها ، يضاف الى ذلك رصيد المعادن النادرة الكامن في قاع المحيط والذي سيمكن الدولة المستثمرة فيه من كسر احتكار الصين لإنتاج هذه المعادن وتكنلوجيا الصناعات الرقمية الدقيقة ، ولعل هذا ما يفسر العرض الذي قدمه الرئيس السابق (دونالد ترامب) عام 2019 لشراء غرينلاند من الدنمارك والذي تجدد بقوة وعزم والحاحٍ اكبر في ولايته الثانية عام 2025. ورغم أن العرض قوبل بالسخرية والرفض المصحوب بأزمة دبلوماسية حادية بين الحليفين ، إلا أنه كان مؤشراً صارخاً على تصاعد الاهتمام الاستراتيجي الأمريكي بهذه المنطقة الحيوية من العالم الذي تخلله واكده تأسيس قيادة القطب الشمالي في الجيش الأمريكي لتتولى مهمة تعزيز التواجد البحري الامريكي في شمال الأطلسي مع بدء برنامج لتطوير كاسحات جليد جديدة، وتطوير شبكة تحالفاتها وتنسيقها مع دول الناتو القطبية ولاسيما في مجال المراقبة والإنذار المبكر لردم الفجوة ومواجهة النفوذ الروسي في المنطقة .
ورغم أن الصين لا تطل على القطب الشمالي، الا انها حرصت على الحضور في هذه المنطقة باحثة عن موارد الطاقة والممرات الملاحية البديلة لتعزز أمنها الاقتصادي وتقلل اعتمادها على مضيق ملقا الخاضع للنفوذ الأمريكي ، فأعلنت نفسها "دولة قريبة من القطب الشمالي" في كتابها الأبيض لعام 2018. " وعملت على "طريق الحرير القطبي". حيث استثمرت مليارات الدولارات في مشاريع البنية التحتية في جرينلاند وآيسلندا، وبنيت كاسحة الجليد "شيويه لونغ" (التنين الثلجي)، وتخطط لأسطول قطبي. ولم تدخر باقي الدول القطبية ( كندا والدنمارك والنرويج ) وسعا في تعزيز تواجدها في القطب الشمالي أولا من خلال مطالبتها وتأكيد احقيتها القانونية بامتلاك الموارد الغاطسة في الجرف القاري للقارة القطبية اعمالا لبنود اتفاقية قانون البحار لعام 1982 ، ثم بتطوير اساطيلها من كاسحات الجليد وتنفيذ تدريبات عسكرية منتظمة في المنطقة بين الحين والأخر .
ان ما تقدم من جهود ومساع لتلك القوى الكبرى، تنذر بعسكرة المنطقة وانفجار التنافس المحموم على مواردها المشفوع بتزايد المطالبات المتعارضة بأحقية السيادة عليها خاصة إذا تعثرت آلية الأمم المتحدة لحسم تلك النزاعات.
ولا نستبعد في هذا السياق المستقبلي وصول طريق الحرير الصيني عبر منطقة القطب الشمالي بالاعتماد على البنية التحتية والقدرات العسكرية الروسية، بما يمهد الأرضية والظروف لتطوير مساحة النفوذ الاستراتيجي وتشكيل جبهة او تكتل شرقي ( روسي صيني) في المنطقة في مواجهة تحالف غربي بقيادة أمريكية لتحقيق الغاية نفسها .
ختاماً يمكن القول ان ارتفاع حرارة المناخ وذوبان الجليد القطبي قد أدى الى ارتفاع حرارة التنافس والأزمات الجيوسياسية حول المنطقة التي تعكس سلسلة من التحولات في ميزان القوى العالمية بصعود قوى جديدة مثل الصين، وفي بوصلة الاهتمامات الاستراتيجية بانعطافها صوب هذه المنطقة النائية، بل وفي اليات الصراع وغاياته الرامية الى استخراج ما في باطن القطب من معادن نادرة للصناعات المتقدمة، فلم تعد هذه المنطقة بقعة بيضاء هامشية على الخريطة، بل هي المركز الجديد للجاذبية الجيوسياسية. ومن سيمسك بمفاتيح القطب الشمالي وغرينلاند في العقود القادمة، لن يسيطر فقط على طرق التجارة ومخازن الطاقة، بل سيرسم ملامح النظام العالمي الجديد. وما تقدم يدفع الى الاستنتاج بطمأنينة عالية بان العالم يتجه شمالاً، والحرب الباردة القادمة ستكون باردة حرفياً، لكنها مشتعلة استراتيجياً.
مراجع معتمدة
- الشفيع عبادي، التنافس الدولي في القطب الشمالي: الدوافع والمآلات الاستراتيجية. الدوحة : مركز الجزيرة للدراسات، (2019) ، ص 4.
- أماني قنديل، الاستراتيجية الصينية تجاه القطب الشمالي: قراءة في "الكتاب الأبيض. القاهرة: مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، مجلة السياسة الدولية. 2018، ص 116 .
- عز الدين أبو المجد ، التنافس الجيوسياسي في القطب الشمالي: قراءة في الأسباب والتداعيات مركز شمس للاستشارات والبحوث الاستراتيجية ، 19 مايو 2025 على الرابط : https://shamscenter.com
- د. كرستيان أليكساندر، التيارات المتقاطعة في القطب الشمالي: جرينلاند في عصر إعادة التموضع الاستراتيجي، 26 مايو2025 ، مقال منشور على موقع ريدان للامن والدفاع ، على الرابط : https://rsdi.ae/ar
- د. وائل صالح ، التنافس الجيوسياسي في القطب الشمالي وتأثيره على القوات البحرية ، مقال منشور على موقع الجندي بتاريخ 1يناير 2025 ، على الرابط : https://www.aljundi.ae
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!