إذا كانت الجيوسياسية تدرس تأثير الجغرافيا على السياسة باستخدام القوة العسكرية في الغالب، فإن الجيواقتصادية هي الجانب الاقتصادي لتلك السياسة. ومسالة غلق المضيق من قبل ايران ومنح استثناءات لبعض الدول خير دليل على توظيف الجانب الاقتصادي في الحرب عبر ادخال ورقتها الاهم في الصراع. وبعد فشل المفاوضات في اسلام اباد واعلان الولايات المتحدة منع مرور السفن فيه من جهة بحر العرب، يتضح ان واشنطن ايضا شاطرت طهران في توظيف الجانب الاقتصادي في الحرب، اذ عبر عن ذلك ترامب بالقول: " اريد من ايران كل شيء، ولا اقبل ب 90 % او 95% مما نريده". وابعاد توظيف مضيق هرمز في الصراع خطيرة وكبيرة.
بعد 36 يوم من الحرب الاسرائيلية الاميركية على ايران، وبهدف عدم تنفيذ ترامب لتهديده ايران بتدمير بناها التحتية (الطاقة والنفط والمياه وغيرها) بعد انتهاء المهلة التي منحها الرئيس الاميركي دونالد ترامب تمكنت باكستان من التنسيق وحث الطرفين على الموافقة للجلوس الى مفاوضات مباشرة، التقى الوفدان الاميركي والايراني في اسلام آباد، وعلى الرغم من التفاوض لساعات طويلة، فشلت المفاوضات وعاد الوفدين لبلديهما من دون اي اتفاق على ملفات (اليورانيوم المخصب، الصناعة النووية، دعم الوكلاء في المنطقة، ومضيق هرمز ).
بداية لابد من التأكيد على ان اغلاق ايران لمضيق هرمز هو خرق لاتفاقية قانون البحار لعام 1982، والتي تنظم الملاحة في المضايق والممرات البحرية الدولية. توظيف هذا المضيق جيواقتصاديا في الصراع لن يكون فيه مكاسب لطرف في الصراع على اخر، ولن تقتصر تداعياته الاقتصادية على المنطقة، بل – كما لاحظنا – على الاقتصاد العالمي، الذي مر بفترات عصيبة بدءا من جائحة كورونا، مرورا بالحرب الروسية – الأوكرانية، وارتفاع الحواجز التجارية وتزايد عدم اليقين العام الماضي، وصولا الى الصراع في الشرق الاوسط منذ حزيران 2025 ولغاية اللحظة. وبافتراض أن يظل الصراع محدود المدة والنطاق، يُتوقع تباطؤ النمو العالمي إلى 3,1% في 2026 و3,2% في 2027. وكذلك يُتوقع ارتفاع معدل التضخم الكلي العالمي ارتفاعا طفيفا في عام 2026 قبل انخفاضه مجددا في 2027. ويُتَوَقّع أن يتجلى تباطؤ النمو وارتفاع التضخم بصفة خاصة في اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية، كما اكد ذلك صندوق النقد الدولي في تقرير افاق الاقتصاد العالمي نيسان 2026.
كذلك، ومع قرار ترامب الحصار على المضيق والموانئ الايرانية، قفز سعر النفط الى اكثر من 100دولار اميركي للبرميل الواحد وهذا ما يمنح الولايات المتحدة المنتج الاكبر للنفط ارباحا كبيرا، فضلا عن انتاجاها من الغاز الذي حفز كل من دول اوروبا واسيا المصنعة الى التسابق نحو الغاز الاميركي. وفي الوقت الذي اعتقدت ايران انها تمتلك ورقة ضغط فيما يتعلق بالملاحة عبر مضيق هرمز عبر توظيفها اقتصاديا لتحقيق نتائج جيواستراتيجية مطالبةً بدفع رسوم عبور على السفن المارة عبره، الا ان اعلان الولايات المتحدة منع مرور السفن الايرانية والسفن التي تدفع رسوم الى طهران من المرور عبره سيشكل عبئا اقتصاديا على ايران نفسها التي تجني من 30 الى 40 مليار دولار عبر تصدير نفطها، فضلا عن الخسائر التي تتكبدها بفعل انقطاع خدمة الانترنت والتي تصل الى ما يقارب مليون دولار يوميا وفق وسائل اعلام ايرانية. كذلك فأن الحصار الاميركي على النفط الايراني سينعكس سلبا على النفط الايراني وانتاجه، اذا ان قدرة ايران على تخزين انتاجها النفطي يبلغ نحو 80 مليون برميل، نسبة امتلاء الخزانات تبلغ نحو ٧٠٪ ، يعني المساحة الخزنية في صهاريجها القادرة على استيعاب كمية مضافة هو نحو ١٥-٢٠ مليون برميل. واذا حولت ايران انتاجها الغير قادرة على تصديره المقدر ٣ مليون يوميا نحو المستودعات، هذا يعني ان خزاناتها ستمتلئ في غضون ايام قليلة . وهذا يعني ستضطر لوقف الاستخراج من الابار مما يعني تضرر الابار وتعرضها لانسدادات في تجاويفها الجانبية وسيتعين عليها بذل جهود كبيرة ووقت واموال لاستعادة الاستخراج بعد انتهاء الازمة وربما ستفقد كثير من قدرة ابارها الانتاجية.
يمكن القول ان طموح ايران بالسيطرة على مضيق هرمز ليس وليد الحرب الاخيرة، بل لطالما لوح بعض المسؤولين الايرانيين به كورقة في الصراع في حال تعرض ايران لهجوم عسكري. كذلك، يمكن القول ان ما قامت به ايران من توجيه اكثر من 70 % من هجماتها الصاروخية والمسيرات تجاه دول الخليج العربية والباقي تجاه الكيان الاسرائيلي، هو انها تحاول توجيه فائض قوتها الصاروخية اقليميا لتحييد الدول المطلة على الخليج العربي لتبقى بعيدا عن طموحها الجيواقتصادي المستقبلي في السيطرة على المضيق، وهو ما يتناسب مع فلسفتها للامن القومي الايراني ومضمونها ان الامن الاقليمي جزء من القومي الايراني.
الحرب بعد حصار المضيق تجولت الى حرب اقتصادية قوية هدفها زيادة العبء الاقتصادي والضغوط الاقتصادية على ايران، بهدف تشظي الجبهة الداخلية الايرانية لتحفيزها للاحتجاج الى النظام الحاكم. ومع ان دول الخليج العربية تمتلك امكانيات مالية واصول استثمارية وصناديق سيادية قد تمكنها من مواجهة ظروف الجرب لشهور ، الا ان الاشكالية التي تواجه الولايات المتحدة هو حلفائها في الخليج العربي الذين لحقهم سيلحقهم ضررا كبيرا، باستثناء المملكة العربية السعودية التي وصل تصديرها الى ما يقارب من 7 مليون برميل من النفط عبر ميناء ينبع على البحر الاحمر، فهذه الدول ستتضرر من ه1ا الحصار الا اذا مُنحت تسهيلات من الجانب الاميركي لعبور صادراتها النفطية الى الاسواق العالمية وهو ما يرجح ان يحدث خلال الاسابيع المقبلة.
كذلك اشكالية اخرى، وهي انه في الوقت الذي تريد واشنطن مساعدة دولية في مواجهة الاعتداءات الايرانية في المضيق والمساعدة على تعزيز الحصار على ايران، قامت هي ايضا بمنع مرور السفن عبر المضيق وهذا يجعلها تشابه ايران في الاجراء نوعا ما.
العراق من اكثر الدول تضررا، اذ فشلت الحكومات العراقية السابقة بعد 2003 في ايجاد بديل لتصدير النفط والذي تشكل عائداته المالية اكثر من 90 % من ايرادات الموازنة العامة، واكثر من 70 % من الناتج المحلي الاجمالي. ورغم ادراك تلك الحكومات لخطورة الاعتماد على منفذ رئيس لتصدير النفط، الا انها لم تعمل استراتيجيا على ايجاد منافذ اخرى، وذلك بفعل التأثيرات السياسية المناهضة لهذا المشروع. كما ان تلك التأثيرات السياسية ساهمت في اجهاض التوجه العراقي اقليميا نحو محيطه العربي بعد هزيمة داعش من خلال حلف الشام (العراق، المملكة الاردنية الهاشمية ، وجمهورية مصر العربية)، ومجلس التنسيق العراقي السعودي الذي حقق نتائج طيبة على ارض الواقع من خلال تعزيز التجارة بين البلدين. وكان بالإمكان تضمينه بندا يخص المساعدة في احياء الخط الاستراتيجي لتصدير النفط العراقي عبر البحر الاحمر.
الارادة غير الحكومية ساهمت في عزل العراق خلال السنوات الثلاث الاخيرة، وفاقمت العزلة بعد الهجمات على دول العربية السعودية والكويت خلال الحرب الاخيرة بين اسرائيل واميركا من جهة وايران من جهة اخرى.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!