حكومة السوداني بين ارث التبعية وطموح الشراكة

لا احد يستطيع أن ينكر طبيعة انتماء الحكومة العراقية الحالية برئاسة السيد محمد شياع السوداني لقوى الإطار التنسيقي، او أن يفك الارتباط بينها وقوى الإطار التنسيقي، تلك القوى التي تبنت عملية تشكيل الحكومة بشكل كامل بعد انسحاب التيار الصدري والسيد الصدر من البرلمان وتشكيل الحكومة؛ مما وضع الحكومة والإطار بين مواقف متضادة على مختلف المستويات، ولاسيما على المستوى السياسي الذي وضعها بين طبيعة التقارب مع طهران، وواقع العداء من واشنطن، ولاسيما ان الطبيعة الايديولوجية للحكومة تعكس تقاربا كبيرا بينها والقوى السياسية الساندة لها مع طهران، تلك العلاقة التي شوهت منظومة العلاقات الخارجية العراقية الرسمية طيلة الـ 20 سنة الماضية، قفزت من خلال القوى السياسية القريبة من إيران، على منطق وابجديات العلاقات الخارجية ومفهوم الدولة القومية الحديثة ووظيفتها وطبيعة تكوينها بشتى انواع التعامل والتواصل، ولاسيما السياسي والأمني والاقتصادي، فضلاً عن التواصل المحظور والمشبوه على باقي المستويات، والتي اعطت "بذات الوقت" الشرعية لتلك العلاقات غير الشرعية؛ لكونها خالفت بذلك كل الانظمة واللوائح والقوانين الوضعية والطبيعية، ولاسيما تلك التعاملات التي تتعلق بعمليات تهريب العملة الصعبة خارج البلد بشكل أو باخر. وقفزت طهران من خلالها على مبدأ حسن الجوار والاحترام المتبادل، واستخدمت بذلك كل السبل التي يمكن من خلالها ابقاء العراق ضمن دائرتها، وابقاء كل الحكومات العراقية السابقة تحت دائرة الابتزاز والخنوع بمختلف الوسائل. لهذا لم تتمكن كل الحكومات السابقة من فتح اي ملف من الملفات التي شوهت طبيعة الدولة، سواء تلك المتعلقة بمعالجة السلاح المنفلت خارج سيطرة الدولة، او عمليات غسيل الاموال وتهريب العملة او غيرها من المظاهر التي اصابت الدولة بعوق وشلل وظيفي، فلم تتمكن من انفاذ سلطة القانون وكشف الجرائم ومرتكبيها، ولاسيما الجرائم السياسية التي تقف خلفها قوى سياسية كبيرة.  هذا المشهد والسيناريو لم تتحمله القوى السياسية وإيران فقط، بل كان للولايات المتحدة الأمريكية دور كبير بذلك، فقد كانت واشنطن على علم ودراية تامة بكل تلك التشوهات التي اصابت الدولة العراقية بكل مفاصلها، وكان دورها كبير في  خلق الارضية المناسبة التي مكنت إيران وبعض دول الجوار والقوى السياسية العراقية من غرس وجودها السياسي بأموال وسياسة غير مشروعة على حساب مصلحة وكرامة الشعب العراقي، ولعل استثناء البنك الفيدرالي الأمريكي للعراق "طيلة السنوات الماضية" من منصاته وجعل امواله مشرعه لدول الجوار وعملة عائمة لتغذية الحروب الاقليمية في المنطقة منذ عام 2011 وحتى الآن، يؤشر بوضوح على طبيعة التآمر على الدولة العراقية، من اجل ان تحقق واشنطن مآربها السياسية في المنطقة، مرة من خلال الاتفاق النووي ومرة أخرى من اجل ابتزاز وتطويق دول الخليج العربي والمنطقة بشكل عام. 

باختصار لا يمكن ان يحدث كل ما حدث في العراق على كافة المستويات منذ عام 2003 وحتى الآن، بدون التعاون والتوافق تارة، والتعارض والصراع تارة آخرى بين واشنطن وطهران، وان كل الحكومات العراقية السابقة دفعت ضريبة تلك العلاقة المشوهة بين الطرفين. فلم نجد حكومة عراقية سابقة قادرة على تأمين مصالحها بالضد من المصلحة الأمريكية في العراق، ولا يمكنها ان تخالف الرغبات الإيرانية على المستوى المحلي والإقليمي والعالمي لتحقيق الرغبة الوطنية؛ لهذا كان الفشل الذريع القاسم المشترك بين كل الحكومات السابقة، فهل تستطيع الحكومة الحالية برئاسة السيد السوداني تجاوز تلك التجارب بتجربة ناجحة مختلفة عن كل التجارب السياسية السابقة؟

لا يمكن لأي حكومة ان تكون فاعلة ضمن بيئة سياسية مقيدة، ولعل طبيعة تشكيل الحكومة العراقية الحالية، تضع أمامها الكثير من القيود التي قد تكبلها في التغلب على الارث السياسي الكبير الذي خلفته الحكومات السابقة وطبيعة الانقسام السياسي المحلي والصراع الإقليمي والدولي. فعلى الرغم من أن حكومة السيد السوداني قد خالفت القوى الداعمة لها على المستوى السياسي، كموقفها من وجود القوات الأمريكية في العراق وتصريح السيد رئيس الوزراء بخصوص حاجة العراق إلى القوات الأمريكية، وما أثاره ذلك التصريح من تداعيات، فضلاً عن موقفه من وصف بطولة خليجي (25) بالخليج العربي، في تناقض مع تصريحات وزير الخارجية الإيراني الذي قال قبلها بأيام إن السوداني "تعهد بإصلاح الخطأ في التسمية الوهمية للخليج الفارسي خلال بطولة خليجي 25"، ليرد السوداني بعدها برفض الاعتذار عن تسمية "الخليج العربي" بدلاً من "الخليج الفارسي" كما طلبت منه ايران، مؤكداً ان العراق جزء من المنظومة العربية وحريص على ديمومة العلاقة مع دول الخليج العربي. إلا أن ليس هناك ما يمكن ان نعول عليه لحد الآن بان ترسم الحكومة الحالية طريقا آخر بعيد عن الطرق التي سلكتها الحكومات العراقية السابقة، طريقا من شانه أن يرسم للعراق دورا مستقلا عن إيران في المنطقة، ويتعامل مع طهران على اساس الشراكة وحسن الجوار والاحترام المتبادل، ويؤسس لعلاقات متوازنة تقوم على حفظ واحترام المصالح الوطنية، كذلك الحال بالنسبة لواشنطن. 

إن القوى الساندة لحكومة السوداني حتى وان التزمت الصمت ازاء سلوك الحكومة وتطلعاتها الخارجية، ولاسيما مع الولايات المتحدة الأمريكية، فأنها ستكون محرجة أمام جماهيرها الذين تغذوا على كراهية أمريكا وطبيعة علاقاتها الخارجية، وستعد العدة للانقضاض على السيد رئيس الوزراء اذا ما تجاوز الخطوط التي ترسمها قوى الإطار التنسيقي له على الصعيدين (الداخلي والخارجي). 

في الوقت الراهن قد تكون اجراءات البنك الفيدرالي الأمريكي حول متابعة عملية تهريب العملة في العراق، وتداعيات صعود الدولار امام الدينار العراقي، والموقف الشعبي المتحمس، فضلاً عن تربص التيار الصدري وزعيمه السيد مقتدى الصدر بقوى الإطار التنسيقي وحكومته، اسبابا من شأنها ان تجعل قوى الإطار تغض النظر عن مواقف حكومة السيد السوداني من الولايات المتحدة الأمريكية، لكن في نهاية المطاف، لا يمكن لقوى الإطار التنسيقي أن تنسلخ تماماً عن شعارتها وخطابها وديمومتها السياسية وطبيعة علاقاتها الايديولوجية من النظام السياسي الإيراني، وستنتفض متى ما استشعرت بحاجتها لذلك الخطاب وإعادة تدويره لشحذ الهمم واستمالة جماهيرها؛ لهذا فأن أي حكومة عراقية تحاول أن تغادر الارث السياسي الحكومي السابق، وتتعامل مع إيران على أساس الشراكة وحسن الجوار، ربما يكون محكوما عليها بالفشل؛ لأن اغلب القوى السياسية العراقية، ولاسيما الشيعية، يبقى موقفها ثابتا اتجاه طهران وواشنطن، بغض النظر عن دور الدولة وقيمها السياسية الحديثة وما تمليه المصلحة الوطنية وطبيعة العلاقات الخارجية للدولة. 

فضلاً عن ذلك، فان موقف قوى الإطار التنسيقي من حكومة السيد الكاظمي، ربما يكون حاضراً مع كل حكومة، لا تُلبي رغباتها السياسية او غير راغبة بشخص رئيس الحكومة أو أن يكون رئيس وزراء غير مدعوم سياسياً، او أي حكومة من شأنها أن تحاول انفاذ سلطة القانون وحصر السلاح بيد الدولة، وهذا من شانه أن يضع العراق والقوى السياسية والنظام السياسي برمته على صفيح ساخن، ولاسيما مع التقلبات الدولية والإقليمية وطبيعة انعكاسها على الوضع الداخلي العراقي.

 فهل تستطيع تلك القوى التغلب على العرف السياسي السائد، وتتمكن من مغادرة الدوائر المرسومة لها سلفاً وتدعم حكومة السيد السوداني من منطلق وطني أم سنكون أمام سيناريو آخر من سيناريوهات الحكومات السابقة؟

التعليقات