الحرب الكاذبة ضد دونالد ترامب

لا توجد جريمة معروفة في صميم شأن ترامب مع روسيا، ولا توجد جريمة حتى الوقت الحاضر في اتهام الرئيس ترامب بتدخله في التحقيق، ولكن شهادة جيمس كومي العلنية امام لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ الأمريكي كشفت اموراً أكثر او اقل مما كان متوقعاً. لقد كشفت الشهادة اقل مما كان يتوقعه ناقدو الرئيس ترامب: فكومي لم يذكر اية حوادث تثير الدهشة في روايته عندما سأله الرئيس ترامب، اثناء المناقشة الخاصة بالتحقيق مع مايك فلين ان "يترك الامر".

قام كومي بكتابة ملاحظاته لتوثيق اي من النقاشات المباشرة مع الرئيس، الا انه – استنادا على شهادته في الكونغرس الأمريكي-لم تحتوي اي من هذه الملاحظات أي أمر يمكن مقارنته بتبادل الحديث حول فلين. في ملاحظاته المجهزة مسبقا، وصف كومي الرئيس ترامب انه طلب منه ولائه، وهي النقطة التي كشفت أكثر مما هو متوقع – ليس لتبيان ان الرئيس قد يمارس ضغوطا "غامضة" على العاملين معه، وانما كشفت العلاقة "السيئة" بين الرئيس ووكالات الاستخبارات الامريكية. الا انه هناك صعوبة لا تبدأ او تنتهي مع الرئيس ترامب، وانما هي امر اساسي لم يتم اختباره حول عمل الاجهزة التنفيذية. 

 كيف سيكون الأمر سياسياً وان يكون فوق السياسة في نفس الوقت؟ *

* كيف يكون للرئيس السلطة القانونية الكاملة، ليس فقط في اقالة مدير مكتب التحقيقات الفيدرالية، كما شهد كومي، وانما في توجيه ما تقوم به او لا تقوم به من تحقيقات، في وقت يعتقد مكتب التحقيقات الفيدرالي انه جهاز " مستقل"؟

* ولكن ماذا يعني الامر بالنسبة لأي من الدوائر الاستخبارية ان تكون مستقلة بالنسبة للرؤساء المنتخبين، وبالتالي مستقلة بالنسبة للشعب؟

 جاء الرئيس ترامب من خارج إطار السياسة الامريكية، وتسنم منصبه بنفس الشكوك حول استقلالية المؤسسات التنفيذية، بضمنها الجهات الاستخبارية، التي تضم الملايين من الامريكيين، الذين يتساءلون فيما إذا كان الجواسيس والموظفين البيروقراطيين هم الخدم الطوعيين للمصلحة العامة او لأجزاء من المصالح الشخصية والأيديولوجية لموظفين جرى انتخابهم. من الممكن ان تكون الشكوك التي يشعر بها الرئيس ترامب والمؤسسين الجمهوريين – إذا لم نذكر المؤسسين التقدميين-هي شكوك متطرفة، الا انها موجودة وتفسر الكثير من الأمور. انها تفسر، مثلاً، لماذا ينظر الرئيس ترامب للبيروقراطية الفيدرالية انها العدو، ولماذا اهتمامه الجدي حول "الولاء" بالنسبة للعاملين معه، بضمنهم مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي؟

ان كبار الموظفين الامريكيين، مثل كومي، غير بعيدين عن الضغوط السياسية، لكنهم لم يتعودوا ان يكون رئيسهم حاداً مثل ترامب. فقد نوه كومي في شهادته مؤخراً الى محاولة ادارة الرئيس السابق اوباما ترتيب وضع تحقيق مكتب التحقيقات الفيدرالية بالنسبة لبريد هيلاري كلنتون كرواية قد تخدم مصالح المرشحة الديمقراطية في عام 2016. لقد شهد كومي ان المدعي العام في ادارة الرئيس السابق اوباما – لوريتا لينتش – قد "وجهتني بعدم تسمية الامر كتحقيق وانما الاشارة اليه كموضوع، وهو امر أربكني وأقلقني". وحسب وجهة نظر كومي، كان الاجتماع القصير بين بل كلنتون ولينتش في مدينة فينكس، ولاية اريزونا، قد جعله يبدأ الحديث عن اعادة فتح التحقيق بنشاطات هيلاري كلنتون، قائلاً: "وبشكل نهائي وقطعي، كان علي القيام بأمر لحماية مصداقية التحقيق، الذي يعني تعلق الأمر بمكتب التحقيقات الفيدرالي ووزارة العدل الامريكية"، كما تحدث الى السناتور ريتشارد بر. ربما كان لأفعال كومي تأثيرها على الانتخابات، واعتقاد مؤيدي السيدة كلنتون ان كومي وتصرفه كان سياسياً – او ربما اعتقدوا ذلك قبل ان يصبح كومي نقطة الارتكاز في انتقادات الرئيس ترامب. ففي شهادته مؤخراً، اعترف كومي بالنواحي السياسية والشخصية، كما قال للسناتور جو مانشين، انه "لو تم انتخاب هيلاري كلنتون، فإن دوره ووظيفته سينتهيان". وبعبارة اخرى، كانت وظيفة مدير مكتب التحقيقات الفيدرالية محفوفة بالمخاطر السياسية، في حالة فوز كلنتون او ترامب. إلا ان كومي لم يكون شخصاً بلا دفاع عندما حوصر في موقف ضد التيار.

فقد كشف في شهادته مؤخراً انه أدرك الاسلحة المتاحة لديه، بضمنها قدرته على تسريب بعض المعلومات المثيرة للإحراج. وقد اعترف بتسريب ملاحظاته التي كتبها عن أحاديثه مع ترامب حول فلين، مبينا للسناتور سوزان كولينز: " كان رأيي انني احتاج الى الاعلان على الملأ، ولهذا سألت أحد اصدقائي ان ابلغ أحد الصحافيين بملاحظاتي المكتوبة. لم افعل هذا الشيء بنفسي لعدد من الأسباب، وانما سألته لأنني اعتقدت بالحصول على مشورة سريعة، وبالتالي طلبت من أحد اصدقائي المقربين القيام بذلك". ربما كان لهذا الصديق اسبابه الموضوعية والدفاعية للقيام بذلك العمل، الا انه – من المؤكد-ان كومي عرف كيف يسرب وثيقة سياسية يستفيد منها. ورغم ايمان الصديق بنزاهة كومي، وهو الأمر الذي اعترف به تحت القسم القانوني، فقد كان السؤال المطروح مدى ثقته بالمحققين الرسميين الاخرين والجواسيس؟

من الواضح إن اي شخص ناقم من داخل مكتب التحقيقات الفيدرالي او الموظفين الحكوميين يرغب بتدمير اي رئيس او تخريب اجندة زعيم منتخب، لا بد ان تكون لديه الوسائل للقيام بذلك.

وقد سبق ان عمل مارك فيلت ذلك، فإرشاداته كانت ضرورية لوودورد وبيرنشتاين في فضح عملية ووترغيت. من الواضح ان فيلت لم يتصرف برغبته بالصالح العام، وانما كان غاضباً من الرئيس نيكسون لعدم تعيينه مديراً لمكتب التحقيقات الفيدرالي. لا يحتاج اي من ناقدي الرئيس ترامب الى الاقتناع انه ارتكب افعالاً تؤدي الى الاتهام من اجل الاطاحة به ا وان يكون زعيماً شرعياً بغض النظر عن فوزه في تشرين الثاني الماضي. فخلال عام 2016، كانت هناك العديد من التصريحات العدائية التي تحدثت عن "عدم كفاءة" ترامب ليكون رئيساً للولايات المتحدة الامريكية (او حتى مرشحاً عن الحزب الجمهوري)، وبالتالي كان القرار لدى المناوئين وليس المصوتين لأن الأمر يتعلق بالمؤهلات الدستورية لشغل المنصب وليس "لأعراف" الاشخاص السريين داخل واشنطن، والتي لا تعني الكثير للشعب الذي لا تتوفر لديه الثقة الكاملة. لقد خرق ترامب اعراف واشنطن بشكل فاضح، الا انه لم يخرق اي من القوانين، حتى بعبارات سياسية بسيطة او عرقلة اي من التحقيقات التي شهد كومي من اجلها. فكومي لم يأخذ رغبات ترامب حول فلين كأوامر، ولم يفكر في الاستقالة – كما فعل سابقا خلال ادارة الرئيس السابق جورج دبليو بوش. فالرئيس ترامب طرح موضوع فلين مرة واحدة، ولم يحاول اغلاق التحقيق الخاص بتدخل روسيا في انتخابات عام 2016، اذ كل ما طلبه من كومي حول الاعلان رسميا ان اسم ترامب لا يوجد في التحقيق. وكما ذكر السناتور ماركو روبيو، الذي ادلى بشهادته بهذا الخصوص، ان كومي منح ترامب ما يريده على طول الخط.

ان اختلاف هذا الأمر مع قضية ووترغيت أمر واضح، فقد كانت هناك جريمة لا نقاش فيها في قلب القضية وهي سرقة المكاتب في مجمع ووترغيت، اضافة الى ارتكاب جرائم كجزء من التغطية على العملية – وهي نقطة اساسية التي غالبا لم تفهم. فالرئيس السابق نيكسون كان يعرف ان موظفيه كانوا يدفعون رشوة للسراق. ولو حاول نيكسون ضغوطه السياسية على مكتب التحقيقات الفيدرالية لكان الأمر اسوأ بكثير. كانت مبالغ الرشوة امراً مهماً لإقناع اعضاء الكونغرس بمسألة الاتهام، رغم ان نيكسون استقال قبل ان يصدر قرار اتهامه. لا توجد جريمة في قلب قضية ترامب – روسيا ولم تكن هناك اي جريمة في التحقيق ومشاركة ترامب بالقضية، ولم تكن هناك مبالغ للرشوة، كما تخيل الكثيرون.

لقد أكد كومي ان فلين في موقف قانوني خطير بسبب تدخلاته مع الموظفين الاجانب وما ذكره لمكتب التحقيقات الفيدرالي. لقد خرق فلين قواعد المناورة مع الاجانب، وإذا كذب على مكتب التحقيقات الفيدرالي فإنه سيكون عرضة للمحاكمة. أما الرئيس ترامب فقد خرق الاعراف عندما اقترح على كومي ان يترك مكتب التحقيقات الفيدرالي موضوع التحقيق الخاص بفلين، الا انه لم يرتكب اي جريمة من خلال القيام بذلك، او محاولة الضغط على مكتب التحقيقات الفيدرالي لأسباب شخصية. من المؤكد ان رغبة الرئيس ترامب بان يقوم كومي بتبرئته من الموضوع الروسي قد تبدو متوازية مع محاولة لوريتا لينتش ان تجعل كومي يتصرف بموضوع مساند للديمقراطيين عند الحديث عن التحقيق الخاص بهيلاري كلينتون. وحتى الكشف عن تحقيقات روبرت ميولي في أن جريمة قد ارتكبت من موظفي الرئيس ترامب، وانه كان على علم مسبق بذلك او احتفظ بها لنفسه، فإن الفضيحة الحالية لترامب هو عدم احترامه لأساليب واعراف واشنطن، رغم انه جرى انتخابه من اجل عدم احترامه لطريقة تفكير واشنطن. وإذا تساقطت اعراف السياسات المعقدة وانكشفت اسطورة الدوائر التنفيذية على الصعيدين السياسي والمهني، فلا يجب وضع اللائمة على الرئيس ترامب، وانما لوم الشعب الامريكي لأنهم فقدوا ايمانهم في الوكالات الاستخبارية والموظفين الغيارى والصدقية الاخلاقية لكتاب الاعمدة في الصحف.

عندما استقال الرئيس نيكسون، كان هناك ايمان شعبي في المؤسسات الامريكية، التي لا يمكن للرئيس النجاة ان لم تكون موجودة. اما اليوم، فلا توجد هذه المؤسسات الحكومية او الصحفية – باستثناء العسكرية – التي يمكن الوثوق بها والتي ستحصل على الاسناد الشعبي. وبعبارة اخرى، لا يمكن تحقيق الاتهام بدون جريمة، وبالتالي فإن آفاق استقالة الرئيس ترامب او ازاحته ما هي الا خيالات بالنسبة لأعدائه.

رابط المقال الاصلي:

http://www.zerohedge.com/news/2017-06-11/phony-war-against-donald-trump

التعليقات