تحديات عديدة تواجه الحكومة العراقية في صياغة موازنة برامج على رأسها غياب الارادة السياسية الجادة في اصلاح الاقتصاد وضبط لإنفاق العام والحد من الفساد والهدر، فضلا عن عوامل اخرى ضعف البنية التحتية المؤسسية، وغياب الإطار التشريعي الداعم، زيادة على نقص في الكوادر الفنية المؤهلة، وهو ما قاد بالنتيجة الى بطء أو فشل في تنفيذ هذا النهج.
خلال مؤتمر صحفي في 10 حزيران الجاري، أكد المتحدث بأسم الحكومة العراقية حيدر العبودي على: " في ظل مؤشرات ايرادات الدولة العراقية، قررت الحكومة العراقية، واستنادا على توجيه السيد رئيس مجلس الوزراء، المضي بصياغة موازنة برامج من خلال التعاون والتنسيق مع البنك الدولي واللجنة المالية النيابية بهدف تحسين كفاءة الانفاق والانتقال التدريجي نحو اداء مالي يضمن تغطية متطلبات الحالة التنموية المأمولة ويعزز مسار الاصلاح الاقتصادي". ويقصد صياغة موازنة للعام 2026 والتي لم يتبقى منها سوى ستة اشهر.
موازنة البرامج، هو نمط من انماط اعداد الموازنات العامة للدول التي تطورت عبر عدة مراحل. تطورت أساليب إعداد الموازنة العامة مع تطور دور الدولة في المجتمع، إلا أن هذا التطور لم يظهر فجأة بل مرّ بعدة مراحل تميزت كل منها باتجاه معين للموازنة، ومن ثم أثرت في مضمونها وشكلها ودورها الاقتصادي تأثير كبير في الدولة والمجتمع، بحيث أصبحت وسيلة فعالة ترتكز فيها الحكومات لدرء مخاطر التقلبات الاقتصادية وبلورة برامج التخطيط ومشاريع التنمية على المستوى الوطني العام، وإرساء قواعد المساءلة والمحاسبة.
أدت هذه التطورات الى إجراء تغييرات بنيوية متتابعة طالت مكونات الموازنة ومحتوياتها وطريقة تبويبها، ونقلها من موازنة بنود قائمة على رصيد الاعتمادات بصورة تقليدية جامدة (كما هو في الحالة العراقية)، الى موازنة قائمة على وظائف ومهمات محددة وواضحة يجري تنفيذها عبر المشاريع والأنشطة الحكومية المختلفة. كما أنها أدت من ناحية أخرى، الى تغيير الأساليب المعتمدة فنيا في إعداد الموازنة وتنفيذها الرقابة عليها، وذلك من خلال ربطها بعدد من الضوابط العلمية ومؤشرات القياس الدقيقة والصارمة، ينبغي على الموظفين القائمين بالأعمال التنفيذية احترامها والتقيد بها.
موازنة البرامج والأداء هي تبويب حديث لحسابات الموازنة يعطي الأهمية والتركيز على البرامج الحكومية وما تقوم به من أعمال، أي أنها تركز على الهدف ذاته وليس على وسائل تحقيق هذا الهدف وتحديد مدى الإنجاز الذي يتحقق من هذا البرامج. وينصب اهتمام الموازنة على قياس التكاليف الإجمالية بغض النظر عن الوحدات المنفذة للبرنامج. اي أنها مجموعة من الأهداف التي ترغب الحكومة في تحقيقها مصنفة على شكل برامج وأنشطة (اداء) تم وضعها لمدة زمنية مقبلة (سنة واحدة) وتحديد تكلفة تنفيذ كل برنامج ونشاط مسبقا مع قياس نسب الإنجاز من أجل قياس كفاءة وفاعلية الأداء.
يعني مصطلح موازنة البرامج التركيز على تبويب الإدارات الحكومية وفقا لوظائفها الأساسية وتحديد البرامج الأساسية لكل وظيفة، ثم تقسيم البرامج الأساسية الى برامج وأنشطة أكثر تفصيلا. أما مصطلح موازنة الأداء (موازنة الإنجاز) فتعني التركيز على تحديد المقاييس والمعايير الدقيقة، لتحديد التكاليف اللازمة للبرامج المقترحة وتعيين معدلات الأداء الواجب استخدامها في تقييم الإنجاز. ويمكن الاطلاع على الانجازات بشكل أكثر شفافية، ومساءلة تطال مدى تحقيق النتائج المرجوة ولا تقتصر على المساءلة المالية.
العراق: موازنة البرامج قبل 2003
في أوائل تسعينيات القرن الماضي، شرع العراق في رحلة مماثلة لتلك التي خاضتها العديد من الدول المتقدمة والنامية، بهدف تحسين أسس تخطيط وإعداد وتنفيذ موزانته. وكان الهدف من ذلك ضمان قدرة إطار الموازنة على تلبية الطلب المتزايد على المعلومات الاجتماعية والاقتصادية. في عام ١٩٩١، شكلت وزارة المالية لجنة رفيعة المستوى (بموجب القرار الوزاري رقم ٣٨٩٧ والرسالة رقم ٢٧٢٠٩ بتاريخ ١٠/٠٩/١٩٩١) لدراسة جدوى تطبيق الموازنة القائمة على الأداء في خمس إدارات مختارة. إلا أن اللجنة خلصت في نهاية المطاف الى أن تطبيق هذه الموازنة لم يكن ممكناً في ذلك الوقت، وأوصت بمراجعة الدراسات العالمية حول متطلبات تطبيقها.
العراق: موازنة البرامج بعد 2003
في مرحلة ما بعد عام ٢٠٠٣، شهد العراق ما بعد الاحتلال ومن ثم التغيير السياسي قيام وزارة التخطيط بوضع خطط استراتيجية طويلة الأجل بأهداف محددة، شملت تعزيز أدوات السياسة المالية والانتقال الى نظام الموازنة البرنامجية والفعّالة. وكان الدافع وراء تحديث عملية إعداد الموازنة في العراق من خلال منهجيات معاصرة هو توجيهات اللجنة العليا للإدارة المالية وإصلاح الموازنة العامة، المنشأة بموجب الأمر الديواني رقم ٨٨ لسنة ٢٠١٢.
كما حددت خطة التنمية الوطنية (٢٠١٣-٢٠١٧) الانتقال من الموازنة التفصيلية الى الموازنة البرنامجية والفعّالة، مؤكدةً دور وزارة المالية العراقية في تبني برامج لتطوير ممارساتها وأنظمتها في مجال الموازنة بما يتماشى مع معايير الدول المتقدمة.
ثم أقرت خطة التنمية الوطنية اللاحقة (٢٠١٨-٢٠٢٢) بأوجه القصور في الخطط السابقة في تحقيق التحول المنشود في إعداد الموازنة. وأعادت التأكيد على ضرورة الانتقال التدريجي الى الموازنة البرنامجية والفعّالة كوسيلة لتعزيز كفاءة الإنفاق العام وتحسين الإدارة المالية. ومع تأكيد البرنامج الحكومي على برامجية الموازنة، الا ان عدم اقرار قانون الموازنة في بعض السنوات خلال السنوات 2020 – 2022 اعاق هذا التحول. ولم يختلف الحال مع الموازنة الثلاثية (2023- 2024 – 2025) التي بقيت موازنة بنود تقليدية ولم يتغير شيء. وبقي التركيز على بنود الإنفاق بدلا من التركيز على إدارة البرامج، والمشاريع، والأعمال الواردة فيها على أسس علمية واقتصادية من حيث قياس الأعمال التي تم تنفيذها، وتحديد تكلفتها، ومدى الكفاءة في إنجازها.
تحديات عديدة تواجه الحكومة العراقية في صياغة موازنة برامج على رأسها غياب الارادة السياسية الجادة في اصلاح الاقتصاد وضبط لإنفاق العام والحد من الفساد والهدر، فضلا عن عوامل اخرى ضعف البنية التحتية المؤسسية، وغياب الإطار التشريعي الداعم، زيادة على نقص في الكوادر الفنية المؤهلة، وهو ما قاد بالنتيجة الى بطء أو فشل في تنفيذ هذا النهج.
التجارب العالمية في تبني موازنة البرامج
التجارب العالمية في تبني التجارب العالمية بهذا الخصوص اثبتت ان تبني موازنة برامج لم تأتي دفعه واحدة، فقد ازدادت شهرتها خلال المدة 1960 – 1970. فهذا النمط من الموازنات ليس جديد، بل يمتد الى عقود من القرن الماضي. فالتجربة الاميركية بدأت منذ عام 1912 ثم تبعتها محاولات عام 1946 و1974 ثم تم اعتمادها عام 1981. وكانت السويد أول دولة أوروبية تطبق موازنة البرامج والأداء حيث بدأت بتنفيذها عام 1972، كما كانت الفيليبين من أوائل الدول النامية التي تطبق موازنة البرامج والأداء، حيث بدأت بتنفيذها في عام 1957.
أما في الدول العربية فقد كانت الأردن سباقة في هذا المجال، حيث بدأت بتنفيذ موازنة البرامج والأداء أثناء فترة إعداد مشاريع الموازنة العامة للعام المالي 1996، أي في منتصف العام المالي 1995، حيث تضمن القانون السنوي للموازنة الأسس الواجب إتباعها أثناء تطبيق هذا المنهج على عدد قليل من الأجهزة الحكومية، كوزارة التربية والتعليم ووزارة الصحة، ومؤسسة الإسكان وسكة حديد العقبة...الخ . وتضمن نطاق إعداد الموازنة العامة للعام المالي 1997 الإجراءات الواجب إتباعها لتعميم التجربة على باقي الأجهزة الحكومية الأخرى عدا الدفاع والداخلية. وبدأت الحكومة في عام 1995 الى عام 1997 بإعداد الدراسات التي تهدف إلى دراسة ووصف الوضع المالي للجهاز الحكومي، سواء كان وصفا إداريا أو ماليا، استنادا على مبدأ أن الموازنة لا تعبر فقط عن الأرقام، بل تعكس أيضا الوضع المالي للوحدات الحكومية المختلفة. وتم اعتماد موازنة البرامج والأداء في تخطيط الموازنة
في كثير من دول العالم، مثل كندا والسويد وانجلترا وبعض دول أميركا اللاتينية وآسيا مثل بوليفيا وتشيلي وكولومبيا والفلبين والهند واندونيسيا، اذ وجدت السلطات المالية في هذه الدول المبررات المقنعة لاستخدام موازنة البرامج والأداء وتجاوزت من ناحية الهدف الرقابة المطلقة على الإنفاق العام الى تحقيق مجموعة من الأهداف الاقتصادية وفق برامج واضحة واهداف قابلة للقياس من حيث الكفاءة والفعالية والشفافية.
العراق وموازنة البرامج: تحديات ومتطلبات
تؤكد الدراسات والمختصين أن موازنة البرامج والأداء تمثل أداة إصلاحية حيوية لأنظمة المالية العامة شرط توفر إرادة سياسية واضحة وبيئة مؤسساتية داعمة، وبنية تحتية معلوماتية، وكوادر مؤهلة. كما توضح التجارب العالمية اهمية التحول التدريجي الى موازنة البرامج والأداء على أن يساهم ذلك في عملية إصلاح المالية العامة وإنه بإمكان هذا التحول وضع الإدارة العامة على طريق الحداثة والتطور والشفافية والمساءلة والمحاسبة والقدرة على التنمية والمنافسة بين الدول.
أن عمليّة إعداد موازنة البرامج والأداء تستغرق وقتا وجهداً أطول من الموازنة التّقليديّة أو موازنة البنود، لكن ذلك لا يعدّ في الحقيقة عقبة تحول دون إعدادها وتطبيقها كونها تتمتع بميّزات عدّة من أبرزها ميزة المرونة، وعمليّاتها عادة ما تكون مركّزة وتسعى إلى تخفيض التّكاليف عدا عن أسلوب تنفيذها يتّسم بالدّقّة ومن ثمّ تعدّ أداة لتقييم الأداء والتّخطيط المالي للوحدات الحكوميّة وكذلك تقويم أداء الإدارات الحكوميّة والعاملين فيها. ويعزّز من أصول المساءلة الماليّة ويُساعد الحكومة على الالتزام بأهداف ماليّة تُسهم في تحقيق الاستقرار الاقتصادي والمالي.
القرار الحكومي بصياغة موازنة برامج والاستعانة بخبرات دولية والاستفادة من تجارب دولية هو اساس مهم للبدء بإصلاح نهج الموازنة وبالتالي نهج الانفاق العام في العراق بعد عقود من الهدر وغياب الاهداف والبرامج الواضحة للإنفاق والاكتفاء بالرقابة على بنود الانفاق، وهي رقابة اثبتت ضعفها في ضبط الانفاق العام والحد من الفساد.
لذا ولإثبات جدية الحكومة والبدء فعلياً في تبني هذا النهج، بالإمكان البدء ببعض البرامج التي تخص وزارات قطاعية معينة وتضمين ميزانياتها ضمن الموازنة الاتحادية برامج وانشطة والعمل على تحقيقها ومن ثم وضع معايير كمية لقياس كفاءة وفعالية وشفافية للرقابة وفقها. وان يتم بالتوازي مع ذلك وضع الدراسات واستكمال البنى التحتية المؤسسة والاطر التشريعية والتنظيمية لموازنة البرامج، والاستفادة من التجربة لإعمامها على باقي القطاعات العامة للدولة.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!