في الحقيقة يرتبط نجاح أي نوع من الخطط التنموية بمدى التقدم الذي تحرزه الدولة في إصلاح أجهزتها الإدارية التي يقع على عاتقها تنفيذ تلك الخطط؛ لذا نجد الإصلاح الإداري ضمن الأهداف الرئيسة لكافة دول العالم بحيث يحتل موقعاً مميزاً ضمن قائمة الخطط القومية للدول من منطلق كلما ارتقى عمل الأجهزة الإدارية واقترب من الإتقان والاحتراف، نجحت خطط التنمية وتحقيق النمو الاقتصادي والتطور الاجتماعي..
بعد اكثر من عقدين من الزمن، لازالت السلطات العراقية تعلن عن التحديات والمشاكل وتشخص بعض الحل وتضع وتتبنى الاستراتيجيات الاقتصادية والتنموية، الا انها تجانب الحقيقة في مواجهة تلك المشاكل وتضع سياسات واجراءات بعيدة عن ما تم اقراره في تلك الخطط والاستراتيجيات، والبيان الاخير لصندوق النقد الدولي يؤكد ان الحكومات لازالت بعيدة عن جوهر المشكلة والحلول الرئيسة لتصحيح الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد..
ان الفساد لم يكن سبب لتعثر التحول الاقتصادي بقدر ما كان الامر معكوس تماماً، أي ان الفساد كان نتيجة لعدم اجراء التحول السليم فظهر الفساد، واخذ الجميع يهاجم الفساد دون إدراك هذه الحقيقة التي لا يُمكن اغفالها بأي حال من الاحوال، فالعلاج يبدأ من خلال إدراك هذه الحقيقة اولاً ثم العمل على تبسيط اجراءات التحول السليم وفسح المجال امام القطاع الخاص وتوفير كل ما من شأنه أن يُشجع القطاع الخاص ويحفزه على النشاط الاقتصادي وعند هذه اللحظة سيبدأ الفساد باتجاه التضاؤل شيئاً فشيئاً..
لا يعد الاقتراض العام، خصوصا الداخلي، مصدر قلق كبير، نتيجة اسهامه في إنعاش الاقتصاد الوطني اوقات الازمات المالية والاقتصادية، ولكن مصدر القلق يتركز في اتساع منافذ الهدر الحكومي، خصوصا في التعاقدات الحكومية، مع اتساع شهية الاقتراض لدى الحكومة، الامر الذي يولد في النهاية جهاز بيروقراطي ضخم مثقل بالفساد والديون في ان واحد، على حساب الاستقرار المالي والاقتصادي وحقوق الاجيال في الثروة الوطنية..
الربط بين الفساد المالي وسوق الصرف تعسفي، وهروب من المسؤولية، فبدلا من إصلاح دوائر مقاولات المشاريع وعقود التجهيزات والمشتريات، وإعادة بناء الإدارة الحكومية على اساس الوظيفة والكفاءة، والسيطرة على التصرفات المالية للعديد من الوحدات المستقلة خارج الموازنة والتي بالغت في التبذير، ذهبوا إلى المكان الخطأ لمكافحة الفساد المالي، وكأن نافذة بيع العملة الأجنبية هيئة النزاهة او رئاسة الوزراء..
ان تدهور الوضع المالي في العراق دالة لحزمة من المسببات يأتي في مقدمتها غياب الشفافية والحوكمة في معظم مفاصل المؤسسة المالية (وزارة المالية)، وضعف الالتزام بالقوانين النافذة من قبل العديد من الجهات والمؤسسات الحكومية، والاعتماد المزمن على موازنة البنود، وغياب الحسابات الختامية رغم الفساد المستشري في جميع المؤسسات الحكومية، وضعف قدرة الحكومة المركزية على استغلال وتوزيع الموارد بعدالة وكفاءة..
تسعى الورقة البيضاء إلى تحقيق هدفين استراتيجيين أساسيين: الأول: الشروع في برنامج إصلاح جذري وفوري لوقف نزيف وعجز الموازنة لتوفير المساحة المالية والزمنية الكفاية لتنفيذ الإصلاح على المدى المتوسط. الثاني: وضع الاقتصاد والموازنة على مسار مستدام، يمثل المسار المشترك لخيارات المستقبل. وبهذا تستهدف الورقة البيضاء وصف العلاجات الضرورية العاجلة لتطبيقها فوراً وعلى المدى المتوسط (3-5 سنوات)..
سيطرة الاحزاب السياسية والمافيات في العراق تعيق باستمرار اصلاح وتطوير هذا المرفق المالي المهم من اجل ضمان السيطرة على تلك المنافذ وتأمين ايرادات مالية ضخمة، تقدر بـ (10) مليار دولار سنويا وفقا لنواب في اللجنة المالية البرلمانية، لتمويل الاحزاب وضمان الهيمنة على النفوذ والسلطة في العراق..
نظراً لهيمنة الدولة على القطاع الكهربائي مع غياب القطاع الخاص والمنافسة الحقيقة، فإن التقصير في تغذية الطلب المحلي بأنواعه المختلفة، المنزلي والتجاري والصناعي والحكومي والزراعي؛ بالتزامن مع هدر الأموال، ستتحمله الدولة بالدرجة الأولى، كونها هي المسؤولة عن قطاع الكهرباء بالكامل، ومن غير المنطق أن نُحمل غير المسؤول عنها، ولهذا السبب يخرج المواطنون بتظاهرات لمطالبة الدولة بتحسين الكهرباء..
تخلف وزارة المالية الاتحادية في تقديم الحسابات الختامية الى ديوان الرقابة المالية لغرض تدقيقها وعرضها على مجلس النواب ضمن التوقيتات الزمنية المحددة أحد اهم اسباب سوء تخصيص الموارد المالية بين الوزارات والمؤسسات الحكومية ومنفذ خطير للفساد المالي وهدر الامكانية في العراق..
يرافق هيمنة الأحزاب على مقاليد السلطة والموارد المالية والاقتصادية طوق من البؤس والفقر والشقاء يخنق جزء كبير من الشعب العراقي المحروم. فبالاضافة الى الهيمنة الحزبية على مؤسسات الدولة، ينتشر الفساد المالي والإداري وتنتفخ ظاهرة البطالة بشكل مرعب ويزداد الفقر والحرمان لشرائح واسعة من المجتمع العراقي..