نظرة قانونية في الاتفاقية العراقية الأمريكية

إن إبرام الاتفاقية أو المعاهد الدولية يمثل في الحقيقة مظهراً من مظاهر ممارسة السيادة والدولة الكاملة السيادة هي الشخص القانوني المؤهل في المجتمع الدولي الذي يملك الصلاحية الكاملة في إبرام المعاهدات مع غيره من أشخاص القانون الدولي الآخرين من دول ومنظمات. وانطلاقاً مما تقدم فإنه يجب أن تكون للدولة السيادة التامة ليتسنى لها إبرام المعاهدات أما بالنسبة للدول ناقصة السيادة كالدول المحمية أو الدول التابعة والخاضعة لنظام الوصاية أو الواقعة تحت الاحتلال فإن صلاحيتها لإبرام المعاهدات الدولية تتوقف على مدى الاختصاصات الممنوحة لها في هذا المجال بموجب اتفاقية الحماية أو التبعية أو نظام الوصاية أو أي نظام أو قرار دولي أخر يمكن أن تخضع له. وفي خصوص حالة الاحتلال فإن المبادئ المقررة في القانون الدولي العام ما يلي: المبدأ الأول: إن الاحتلال الحربي لا يعطي لدولة الاحتلال السيادة على الأراضي المحتلة فتبقى هذه السيادة قائمة رغم الاحتلال، للشعب الأصلي للدولة أو دولة الأصل وهذا المبدأ هو نتيجة طبيعية للمبدأ الأساس في القانون الدولي المعاصر وهو عدم جواز ضم أراضي دولة أو إقليم محتل نتيجة القوة العسكرية. المبدأ الثاني: هو حلول دولة الاحتلال محل الدولة المحتلة في ممارسة بعض اختصاصات السيادة من الناحية الفعلية وهذا المبدأ الثاني يأتي ليقيد المبدأ الأول فإذا كانت السيادة القانونية على الإقليم المحتل لا تنتقل لدولة الاحتلال إلا إنه من الناحية الواقعية تقر القواعد الدولية من باب الأمر الواقع ممارسة دولة الاحتلال لبعض مظاهر أو اختصاصات السيادة بالقدر اللازم لإقرار الأمن وأداء الخدمات العامة وأعمال الإدارة وبهدف حماية دولة الاحتلال وقواتها المسلحة. وفي ضوء ما تقدم نرى إن الحكومة العراقية تمتلك في ظل قرارات الأمم المتحدة بخصوص الاحتلال الصلاحية في إبرام المعاهدات الدولية كما إن الدستور العراقي النافذ لعام 2005 قد قام بتنظيم عملية إبرام المعاهدة والجهة المعنية بالإبرام والتصديق عليها. إلا أن عملية إبرام المعاهدة الدولية في ظل ظروف الاحتلال يطرح ما نطلق عليه في القانون الدولي مصطلح (المعاهدات المتكافئة) وهذا النوع من المعاهدات ينوي على انعدام المساواة في المراكز التعاقدية بين أطراف المعاهدة مما يؤدي إلى اختلال الامتيازات والالتزامات الناشئة عن هذه المعاهدات ففي هذه المعاهدات يفرض طرف قوي شروط معينة على طرف ضعيف بالالتجاء إلى الضغط والإكراه بشتى الوسائل ونتيجة ذاك ينعدم التناسب بالحقوق والالتزامات بين أطراف المعاهدة خلافاً للمبادئ العامة لعقد المعاهدات الدولية التي تتوجب قدراً معقولاً من المساواة في الحقوق والالتزامات بين الأطراف المتعاقدة. ولعل أبرز معايير عدم التكافئ في هذه المعاهدات ما يلي: 1. إنها أي المعاهدة تتضمن شرطا أو شروطاً تحد من مظاهر سيادة الدولة. 2. حق أحد أطرافها بالتدخل بالشؤون الداخلية للطرف الآخر. 3. خضوع بعض الأنظمة القانونية الوطنية إلى أنظمة قانونية أجنبية (الأمم المتحدة، صندوق النقد الدولي...الخ). 4. قد يملك أحد أطرافها تعديلها أو إلغائها. 5. أن هذه المعاهدة غير محددة الأجل أو طويلة الأجل. إن كل ما تقدم يجعل هذه المعاهدة مشوبة بنقص العدالة نتيجة غياب صفة التقابل في الالتزامات بين أطرافها وبالتالي فإنها تنطوي على غبن فاحش لأحد أطرافها. ولنا في العراق تجربة سابقة لمثل هذه المعاهدات فمعاهدة التحالف البريطانية العراقية لعام 1930 انطوت على ما يأتي:- 1. توحيد سياسة الدولتين والتحالف العسكري ومساندة أحدهما الآخر في حالة الحرب والخطر. 2. أنشاء قواعد عسكرية في العراق لحماية طرق المواصلات. 3. التزام مالي على العراق يتمثل بشراء مخلفات المعسكرات واستخدام الموظفين البريطانيين كمستشارين. 4. حل المنازعات الناشئة بين الطرفين بواسطة محاكم مختلفة عراقية بريطانية. 5. كان أجل المعاهدة (25) سنة. وذكرت بريطانيا بأن قبول العراق لهذه المعاهدات معناها مساندة بريطانيا له للترشيح في عضوية عصبة الأمم المتحدة عام 1932 وعندئذ ينتهي الانتداب ويتم الاعتراف بالعراق كدولة مستقلة. فما أشبة اليوم بالبارحة إذ تريد الولايات المتحدة الأمريكية من الحكومة العراقية اليوم عقد اتفاقية تحل محل الاحتلال العسكري المباشر لقواتها المسلحة وتطرح عدة نصوص في هذه المعاهدة تنال من سيادة العراق بشكل أو آخر ومن ذلك الحصانة المقررة لجنودها في العراق وإعطائها الأولوية في شراء الأسلحة والمعدات العسكرية وإقامة المشاريع الاقتصادية والتنموية وغير ذلك من الشروط التي لا نزال نجهلها بسبب سرية بنود هذه الاتفاقية وكل ذلك يجعل من هذه المعاهدة غير متوازية في الالتزامات والحقوق التي يمكن أن تمنح لأطرافها. وأخيراً فإن الحقيقة التي يجب أن تقال إن الطرف الأضعف في مثل هذه المعاهدات يكون بين خيارين أما أن يقبل بهذه المعاهدة بشروطها الباهضة أو يرفضها وعند ذاك سوف يتحمل خطورة ذلك على استقلال الدولة وبقاء الاحتلال، وعليه، فإذا استطاع الطرف العراقي المفاوض فرض التوازي بين الالتزامات لعقد المعاهدة العراقية – الأمريكية، فإن ذلك سوف يمنح العراق امتيازات كثيرة تجعل المعاهدة تصب في مصلحة العراق، أما إذا عجز عن ذلك فإن هذه الاتفاقية سيكون أثرها سلبياً على حاضر ومستقبل البلد.
التعليقات