شرعية النظام السياسي في إطار التحول الديمقراطي: العراق بعد 2003 أنموذجا

11122019-04-25

تحرير: عصام حاكم

 

ناقش مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية في ملتقى النبأ الاسبوعي (شرعية النظام السياسي في إطار التحول الديمقراطي: العراق بعد 2003 انموذجا) في ملتقى النبأ الأسبوعي الذي عُقد يوم السبت الموافق 6/ نيسان/2019 بمقر مؤسسة النبأ للثقافة والاعلام، وبمشاركة عدد من مدراء المراكز البحثية، وبعض الشخصيات الأكاديمية والحقوقية والإعلامية.

اعد الورقة البحثية د. حسين أحمد السرحان، الباحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية، والتي تضمنت الآتي:

 شهدت بعض الدول تغيير سياسي، وهذا التغيير السياسي يكون عبر عوامل داخلية، وأحيانا يكون عبر عوامل خارجية (استخدام القوة في اسقاط النظام الحاكم). فالتغيير الداخلي دائما ما يكون هو أفضل من التغيير الخارجي، وذلك لان التغيير الخارجي عندما يحصل يكون دائما مقرون باستخدام القوة، وبالتالي هو سوف يخضع ادارة البلد للسلطة المحتلة التي ستعمل على تعليق العمل بالدستور والغاء العمل بالمؤسسات والنظام السياسي بشكل كامل وينتج عنه انهيار لتلك المؤسسات والغاء للأطر الدستورية والقانونية النافذة وتتولى سلطة الاحتلال وضع اطر قانونية جديدة وتشكيل مؤسسات جديدة وفق فلسلفة سياسية جديدة. 

اما التغيير الداخلي، فيحصل بمبادرة من داخل مؤسسات (سلطات) النظام السياسي، او بفعل الضغط الجماهيري على تلك السلطات واركان النظام الحاكم. وهذا النوع من التغيير يختلف عن الاول كونه يعتمد على الاطار الدستوري في تشكيل مؤسسات للمرحلة الانتقالية التي يجري خلالها تشكيل حكومة مؤقتة أو حكومة انتقالية أو حكومة طوارئ، وبالتالي تعمل هذه الحكومة على ادارة المرحلة الانتقالية.

نقصد بـ"المرحلة الانتقالية" المدة التي تفصل بين انهيار مؤسسات النظام وتشكيل نظام ديموقراطي جديد ومستقر ويجري خلالها ما يطلق عليه بالتحول الديمقراطي. هذه المرحلة الانتقالية مهمة جدا واساسية كونها تؤسس لنظام سياسي ديمقراطي.

كذلك نحن بحاجة الى توضح بعض المفاهيم الاساسية المرتبطة بـ "النظام السياسي". وبشكل عام يمكن ان نوجز التعريف بانه: مجموعة العناصر(الاحزاب) والقواعد الحاكمة أو الناظمة لعمل المؤسسات (السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية). وتختلف الانظمة السياسية من بلد لآخر وفقا لعوامل عدة ليس في مجال بحثنا، اما الحكومة فهي السلطة التنفيذية، والدولة فهي الإطار العام الذي يجمع المجتمع والنظام السياسي.

شرعية النظام السياسي

كل النظم السياسية أيا كان نمط وخلفية تشكيلها تبحث عن تعزيز شرعيتها. والشرعية هي توافق المبادئ العامة والأيدلوجية والافكار والاطار المؤسساتي الذي يأتي به النظام السياسي من خلال القوانين مع ارادة وطموحات الجماهير.

والشرعية هو ذات صلة وثيقة بالمشروعية، بمعنى ادق أن الحاكم اليوم هو يبحث عن الشرعية، لكن المحكوم يبحث عن المشروعية، بالتالي فان المشروعية تشير الى التزام النظام الحاكم أو السلطات بالقوانين والدستور في ادارة الشأن العام، وهو ما يبحث عنه الجمهور (الشعب) وهي مـصطلح قانوني فيما الشرعية هي مصطلح سياسي، كذلك المشروعية ذات بعد قانوني، اما الشرعية فهي ذات بعد سياسي. المشروعية تضمن حق المحكومين (الشعب)، اما الشرعية فدائما ما يبحث عنها  الحاكم أو النظام الحاكم. 

والنظام السياسي يختلف عن السلطة (Power). يراها البعض انها القدرة على التأثير في سلوك الاخرين، وهذا هو نوع من انواع القوة، ولكن السلطة هي الحق في الـتأثير على سلوك الاخرين، لذلك تحتاج السلطة الى الشرعية. لذلك فان السلطة، وبمختلف اراء الفلاسفة وفقهاء العلوم السياسية والنظم السياسية، ذات بعد قانوني واخلاقي معنوي، بمعنى اخر أن السلطة يجب أن تطاع، وحتى تطاع تلك السلطة لابد يكون لها شرعية ومشروعية لأدائها. والشرعية لها انواع، منها:

 الشرعية الثورية:

بمعنى أن القائمين على الثورة عندما ينتفضون على نظام استعماري أو احتلال معين والبحث عن مصالح وطنية، هذه بحد ذاتها تمنحهم الشرعية في ادارة السلطة لمرحلة معينة.

الشرعية الدستورية:

والتي توفره الاطر الدستورية والقانونية.

الشرعية الديمقراطية:

وترتبط بوجود النظام الديمقراطي الذي يضمن مشاركة الجميع في ادارة البلاد، وهو ما يؤسس لشرعية هذا النظام.

هناك ايضا شرعيات التي تتحقق للقائد الكاريزما، لاسيما اذا ما كان هناك انقلاب عسكري أو تفوق جماعة معينة ووصولها لإدارة الدولة.

التحول الديمقراطي

يقصد بالتحول الديمقراطي به (العمل على تأسيس أو تأصيل الممارسة الديمقراطية في الهياكل والمؤسسات والافراد في اطار السلوك العام أو السلوك الجمعي). واذا كان التغيير بفعل عوامل داخلية نكون امام مهمة تعزيز السلوك والاداء الديمقراطي ومدها الى باقي مؤسسات الدولة.

والتحول الديمقراطي هي مرحلة انتقالية التي تكون بين انهيار نظام ديكتاتوري والتأسيس لنظام ديمقراطي. في هذه المرحلة تحتاج السلطة التي تتولى عملية الانتقال الى الشرعية. يصف ( هنري كيسنجر) التحول الديمقراطي بانه حالة ظهرت في الثلاث عقود الاخيرة اي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في بداية تسعينيات القرن الماضي. وحينها ظهر ما يسمى بـ (ادب التحول). 

فيما يتعلق بالعراق، حدث التغيير السياسي في العراق بفعل العامل الخارجي. والقوى السياسية أو عناصر نظام السياسي التي ظهرت ما بعد (2003)، عملت على مهمة الانتقال الى الديمقراطية لكن اصيب هذا الموضوع بإخفاقات كبيرة واشكاليات كثيرة".

"وذلك على اعتبار أن الديمقراطية بحد ذاتها هي ليست تطور النظام السياسي فحسب، بل هي تغيير اجتماعي ايضا، ومن ثم ينعكس فيما بعد على التغيير السياسي. والتحول الديمقراطي له اربع مراحل اساسية..

المرحلة الاولى:

انهيار النظام الدكتاتوري.

المرحلة الثانية:

المرحلة الانتقالية التي تمتد من انهيار النظام السابق وحتى ظهور نظام ديمقراطي.

المرحلة الثالثة:

دعم التحول الديمقراطي، بمعنى أن الفاعلين السياسيين أي قوى سياسية واحزاب أن يكونوا مؤمنين بشرعية مؤسسات النظام الجديد، والعراق إلى الان لم يصل لهذه المرحلة، خصوصا وأن غالبية القوى السياسية هي لا تؤمن بشرعية المؤسسات الحاكمة أو السلطات الحاكمة.

المرحلة الرابعة :

النضج الديمقراطي، وتتحقق بها الديمقراطية السياسية والديمقراطية الاقتصادية. الديمقراطية السياسية التي تضمن حركة الجميع في ادارة الشأن العام، والديمقراطية الاقتصادية هي التي تضمن عدالة توزيع الموارد، وايضا عدالة وصول الخدمات والانجازات لكل فئات المجتمع.

هذه الشرعية تحقيقها عبر تشكيل مجموعة حكم جديدة، أو مكونة من فئات ومن احزاب معينة تعمل على التأسيس للنظام الديمقراطي الجديد، وذلك من اجل أن تدعيم المرحلة الثانية، وبعد أن تجاوزنا المرحلة الاولى وهي انهيار النظام الدكتاتوري، بعدها يتم وضع الاسس اللازمة للانتقال نحو السلوك الديمقراطي أو الممارسة الديمقراطية والقواعد الديمقراطية في ادارة السلطات في الدولة ومؤسساتها.

"ليس كافيا أن نشيع مبدأ التعددية السياسية ونقول هذا تحول ديمقراطي، فما حدث في العراق نعم  كان هناك قبول ومقبولية من قبل الشارع، ومن قبل النخب الحاكمة ومن قبل الاحزاب باتجاه التعددية السياسية، والتي انتجت فيما بعد تعددية حزبية، لكن هذا لا يعني ان البلد اصبح على مسار الانتقال إلى الديمقراطية، لان التعددية السياسية نعم قد ينتج عنها انتخابات وينتج عنها ممارسات ديمقراطية اخرى، لكن هذا لا يعني أن هذا البلد قد استكمل عملية التحول الديمقراطي، وبالتالي الانتقال لوضع القواعد الديمقراطية موضع التطبيق.

"لذا هي تحتاج فيما يتعلق بشرعية هذه النخب، خصوصا عندما ارادت أن تؤسس لمرحلة انتقالية، كان يكون قانون مؤقت أو حكومة انتقالية معينة لغرض تشكيل أو اعتماد كتابة دستور دائم للبلاد، هذه ايضا تحتاج لشرعية، فالشرعية ليست نمط متكامل، فربما يتضاءل، وربما يتعزز اكثر، ففي احيانا معينة النظم التي تأتي من خلال انقلاب عسكري هي لا تتمتع بشرعية، لكنه يوصل الحاكم للسلطة، فهذا واقعا فاقد للشرعية، لأنه لم يأتي بمقبولية شعبية، لكنه ومع مرور الوقت اذا اسس لمرحلة جديدة، ربما تتعزز شرعيته اكثر، وبالعكس هناك نظم سياسية تتمتع بشرعية القبول التي تمنحها اياها الجماهير في ادارة الشأن العام، لكنها بمرور الوقت تتضاءل هذه الشرعية، وكما يحصل الان في العراق وفي دول اخرى، لذا بعض الفقهاء العلوم السياسية لا يقرنون شرعية النظام السياسي، بالقبول الذي يحصل عليه من قبل الجماهير في الانتخابات فحسب لابد من تحقق شرعية الانجاز، اي ما يقدمه النظام السياسي للمواطن، هذه المشكلة ربما تعرّض النظام السياسي لهزات قوية ونوع من عدم الرضى، وهذا النوع من عدم الرضى يعني أن هذا النظام بداء يعاني من ازمة في الشرعية، وهذا ما  يحصل في العراق حاليا.

كل المؤشرات خلال تلك السنوات (15) الماضية تؤكد أن الاحتجاجات تؤكد حالة الرفض للسلوك السياسي للقوى السياسية. وما المطالبات الاخيرة بأقليم البصرة وربما تظهر دعوات اخرى بأنشاء الأقاليم الا هي تأكيد على أن النظام السياسي لا يمثل الجماهير، وبالتالي هذا الشعور يكاد أن ينطبق على جميع مكونات الواقع العراقي وفي جميع المحافظات".

هذا الرفض للنظام القائم، تمثل اشكالية كبيرة ربما تعرض عملية التحول الديمقراطي للإخفاق، وهذا الاخفاق هو مكمن الخطورة. حيث من المحتمل أن يعود بنا لمرحلة النظام الدكتاتوري اذا كان ضامن لإدارة الشأن العام وتحقيق الامن الخدمات. وعلى القوى السياسية ان لا تصبغ النظام القائم بصبغة الديمقراطية من خلال التعددية السياسية والحزبية والانتخابات، لان النظام القائم يوصف بانه نظام (ديمقراطية انتخابية) لذا عليها العمل عل تعزيز شرعية النظام السياسي عبر الانجاز الواقعي.

كذلك عند النظر للحالة العراقية اليوم، فالموضوع فيه اشكالية كبيرة. يعاني النظام من ازمة شرعية، فضلا عن انه يعاني ازمة هوية، وبالتالي تمازج هاتين الازمتين يؤسس لازمة سياسية عميقة جدا. وهذا مما يجعل المواطن العراقي اليوم بانه امام نظام غير شرعي، في وقت أن عملية التحول الديمقراطية تحتاج من القوى والاحزاب الحاكمة التي تتولى عملية الانتقال والتحول للنظام الديمقراطي أن تتمتع بشرعية حتى تتمكن من ادامة هذا الزخم والدعم الجماهيري لعملية التحول الديمقراطي.

في إطار ما تقدم نفتح باب الحوار عبر السؤالين الآتيين:

السؤال الاول / كيف تقيم مرحلة التحول الديمقراطي في العراق؟

- الدكتور قحطان حسين الحسيني، الباحث في مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية،

يؤكد "أي نظام ديمقراطي في العالم هو لا يحظى بشرعية مطلقة، وذلك على اعتبار أن النظام الديمقراطي هو اساسا قائم على حكم الاغلبية، بالمقابل يوجد اقلية غير راضية عن الامور السياسية والاجتماعية والاقتصادية بشكل عام، فالنظام السياسي في العراق يندرج ضمن هذه النظم التي لم ولن تحظى بشرعية مطلقة على الاطلاق، علما أن طبيعة النظام الديمقراطي في العراق الذي هو نتاج لظروف معقدة مرت بها العملية السياسية

اضاف الحسيني ان حالة الرفض ومستوى الشرعية المتدني يأتي من التغيير الذي لم يتم بأيادي عراقية وانما تم بتدخل خارجي، وطبيعة الاحزاب السياسية التي حكمت العراق بعد (2003) وطبيعتها وفلسفتها وقياداتها، وهي لم تكن عامل مساعد على استقرار العملية السياسية وعملية الانتقال إلى الديمقراطية ولأسباب عديدة، تتعلق بالتركيبة الداخلية لهذه الاحزاب وطبيعة وفلسفة قياداتها، كذلك ايمانها بالعملية الديمقراطية من عدمها.

يكمل الحسيني "خاصة وأن المجتمع العراقي وبعد (2003) انقسم انقسام حاد جدا، بين مؤيد لسقوط النظام واخر معارض بشدة، واخر وقف موقف المتفرج الذي يحاول أن يحظى بامتيازات عن هذا التغيير. كذلك فان التدخل الخارجي في الشأن السياسي العراقي هو ايضا يعتبر عامل زعزعة لعملية الانتقال نحو الديمقراطية.

عدنان الصالحي، مدير مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية يرى إن الحديث عن النظام السياسي في العراق ما بعد (2003) يحتاج لمساحات واسعة، فهل هو نظام سياسي أم هو صورة لنظام سياسي؟، وهل هو نظام سياسي حي ام نظام سياسي جامد؟، بالتالي هي ربما لا تعدو كونها (الديمقراطية) ملء فراغ لنظام سياسي سابق وبمقاسات خاصة، وبالمقابل لم تلبي الحاجة الفعلية لهذا المجتمع".

اضاف الصالحي "لذلك المجتمع العراقي تفاعل مع هذه الحال على انها تشكل حالة من سد الثغرة وملء الفراغ، والغاية هي الحصول على شكل نظام سياسي معين قد يقوده إلى التحول الديمقراطي، الا أن ذلك لا يعني اننا بداءنا بالتحول الديمقراطي، خصوصا وان المانع الحقيقي للتحول الديمقراطي هو القانون الانتخابي. فالقانون الذي تضعه الكتل تجعل من الكره تدور في دائرة مغلقة، لذلك علينا أن نوجد قانون انتخابي حقيقي ومنصف يبعد قادة الكتل والقوى الكبيرة من السيطرة على النظام والتحكم به.

- سماحة الشيخ مرتضى معاش، رئيس مجلس إدارة مؤسسة النبأ للثقافة والإعلام،

يرى إن مفهوم الشرعية الثورية هو مفهوم خاطئ، فالشرعية الثورية هي كالشرعية الانقلابية مع الفارق كون الانقلاب العسكري يقوده العسكر، فعلى على هذا الاساس هم يعتقدون انهم يمثلون الثورة، الا أن تلك الثورة لا تمتلك الشرعية الا شرعية القوة والهيمنة والسيطرة، فالشرعية الحقيقية هي التي تكون من طرفين ايجاب وقبول.

اضاف معاش ان الشرعة هي عقد بين طرفين، اي بين الحاكم والمحكوم مما يؤدي إلى شرعية التبادل بالمصالح. والشرعية تحتاج لاستدامة واستمرارية حتى تكون فيها مشروعية، اما بالنسبة للأكثرية والاقلية فمن الطبيعي عندما تكون هناك اكثرية سياسية، فان الشرعية تقوم على قبول الاقلية بحكم الاكثرية، وهي ايضا شرعية كاملة وليس شرعية ناقصة، فضلا عن ذلك فان الذي يتنازل عن حقه السياسي في عدم الدخول في الانتخابات وفي الاحزاب، هو كمن تنازل عن حقه في منح الشرعية.

يكمل معاش "اما بالنسبة للعراق فالمشكلة الاساسية التي نعاني منها هي عدم القدرة على انتاج نظام سياسي، فالنظام السياسي هو نتاج للنظام الاجتماعي أو المنظومة المجتمعية. اليوم المجتمع يؤمن بمجموعة من القيم السلبية وغير الجيدة، التي لا تساعد على أنشاء نظام سياسي متكامل ومتقدم، منها على سبيل المثال (الاستبداد / العنف / القسوة / الغلبة / الغنيمة)، هذه كلها حالات مترسخة في الاسرة العراقية وفي المجتمع العراقي، وهي تؤسس لنظام سياسي سيئ، لذلك نجد اليوم تغول مجموعة من الاحزاب والكتل السياسية والجماعات إلى قوى سياسية كبيرة، وهذا نتيجة هذه القيم واحتكارها للساحة وهيمنتها".

الدكتور حميد الهلالي، عضو مجلس محافظ سابق،

يرى بوجود جهتين اساسيتين تتحمل مسؤولية ما حدث في العراق. الجانب الامريكي بالدرجة الاساس، والجهة الثانية هي الكتل السياسية. لذلك فالرؤية الامريكية كانت مبنية على تشكيل لجنة تسمى (لجنة الخبراء) في بداية التغيير في العراق، وهي مؤلفة من (150) خبير كي تحكم العراق، وكان هذه اللجنة عبارة عن مجموعة خبراء وبمختلف الاختصاصات الاكاديمية والعلمية، وكان معول عليها كثيرا لقيادة البلد إلى بر الامان.

اضاف الهلالي "ولكن عقلية الحاكم المدني في العراق آنذاك (بريمر) قد الغى هذه اللجنة، وتم تشكيل مجلس الحكم على اساس اثني، وبالتالي شكل مجلس الحكم من شيعة وسنة وكرد، مما جذر في العراق موضوعة الطائفية والمناطقية على حساب الهوية الوطنية. لذا بدأ المشروع العراقي على هذه الثيمة، التي انتجت كل تلك الهويات الفرعية التي تم ذكرها انفا (العشائرية / الفساد / المحاصصة) وغيرها.

يكمل الهلالي " لذلك تم تشكيل احزاب وكتل على اساس طائفي وليس على اساس وطني، وحتى قضية افساد الذوق الجماهير وافساد العملية الانتخابية وكل الممارسات السيئة الاخرى هي نتاج لهذا الواقع، عندها نجد المواطن العراقي مستعد إلى أن يبيع صوته الانتخابي بأبسط الاثمان، والسبب لأنه لا يحس بالانتماء الوطني، فهذا كله سلوك كتل وسلوك انتخابات".

اضاف ايضا "فالعراق لو عولج بطريقة اخرى لاختلف الوضع عن ما هو عليه الان، فلو كان لدينا قانون انتخابات غير الموجود الان، لما كان عندنا نظام القائمة المغلقة التي انتجت لنا المحاصصة وجعل العراق لبنان اخرى، وهو نظام سيء بكل ما لهذه الكلمة من معنى، فقد اوجد المحاصصة وجعلت من العراق لبنان اخرى، وايضا قادتنا إلى الفساد وإلى الكثير من الامور الاخرى".

كما اوضح الهلالي "نحن اليوم لدينا مشكلة اساسية كون الكتل السياسية لا توجد لديها رؤية استراتيجية، فأية دولة نريد؟، واي اقتصاد نسعى اليه؟، واي مجتمع نريد أن نبني؟، فلحد الان لم تحدد هوية الدولة هل هي (ديمقراطية / لبرالية / برلمانية / رأسمالية / مدنية)، فلو سالت أي كتلة من الكتل السياسية في العراق لا توجد لديها رؤية اطلاقا، فالكتل السياسية في العراق ينحصر همها فقط في كيفية السيطرة على السلطة".

يختم الهلالي، "لذلك المستقبل العراقي هو مستقبل يسير نحو الهاوية، والدليل على ذلك فان الانتخابات تسير نحو المشاركة الضعيفة أو عدم المشاركة بالانتخابات. لذلك اذا لم تتم معالجة جذرية للمشروع السياسي أو يعاد بناءه بطريقة حديثة، بالتالي ليس هناك امل في التجربة العراقية الحديثة، وستكون النتيجة غير مطمئنة حيال مقارنة الوضع القائم الان بوضع العراق ما قبل التغيير، وعندها ربما نفاجئ بتغيرات دراماتيكية". 

الحقوقي احمد جويد، مدير مركز ادم للدفاع عن الحقوق والحريات،

يعد هذا الموضوع من الموضوعات الشائكة والمعقدة. الى جانب ذلك، عندما نريد أن نقيم التجربة الديمقراطية لابد أن نقيم اولا الاحزاب التي تحكم النظام السياسي في العراق، فهل هذه الاحزاب في داخلها هي احزاب ديمقراطية، حتى تسعى لبناء نظام سياسي ديمقراطي؟ خصوصا ونحن لاحظنا ان تلك الاحزاب تعاني من دكتاتوريات كبيرة في داخلها".

اضاف جويد “ان هذه الاحزاب تعاني من هيمنة اشخاص لديهم امتدادات عائلية معروفة بتوجهها الديني، أو اشخاص سيطروا على المال والسلطة واصبحوا متحكمين بهذه الاحزاب، وبالتالي اذا كانت الاحزاب في داخلها دكتاتورية فلا تستطيع أن تجعل نظام حكم نظام ديمقراطي".

حامد عبد الحسين الجبوري، باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية

اكد انه لا يمكن تقييم التجربة العراقية في ظل عدم اكتمالها، خصوصا وأن عملية الديمقراطية في العراق هي لا زالت في طور الانتقال ولم تنتقل إلى الان، خاصة وأن المجتمع العراقي ومنذ قرون طويلة وهو يعاني من النظم الدكتاتورية ومن سياسات تجهيل المجتمع. الشيء الاخر أن المجتمع العراقي بطبيعته هو مجتمع تسلطي ودكتاتوري وبمختلف المستويات الاسرية والاجتماعية".

اضاف الجبوري "لذلك ففي ظل النظام الديمقراطي لابد أن يكون المجتمع مؤمن بانه فعلا مصدر للسلطات، واذا لم يؤمن المجتمع بهذه الحقيقة لا يمكن أن نحقق الشرعية المطلوبة، لذلك نحن على مستوى الانتخابات دائما ما تكون نسبة المشاركة منخفضة.

علي حسين عبيد، كاتب في مؤسسة النبأ للثقافة والاعلام،

يصف الواقع العراقي اليوم بانه عبارة عن قارب كبير فيه ثقوب متعددة يتسرب الماء اليه من كل حدبا وصوب، والنتيجة ستكون غرق جميع العراقيين ومن دون أي استثناء. فنحن ومع هذا الوضع الصعب والمهلك نحتاج لرجال استثنائيين كي يصلوا بهذا الشعب إلى  شاطئ الامان، ولكن عند الاستفسار عن حقيقة وجود هؤلاء الاشخاص من عدمه، فالجواب سيكون ومن دون ادني شك بانهم قليلين أن لم نقل أنهم غير موجودين نهائيا، ولهذا نحن نتأمل من قادة العراق اليوم أن يعيدوا التفكير مرات اخرى، حتى يكونوا بمستوى المسؤولية لينقذوا انفسهم والعراقيين. 

- حيدر الاجودي، باحث في مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية،

يرى "إن مرحلة التحول الديمقراطي في العراق مرت بأوقات عصبية وامراض متعددة منها، على سبيل المثال مرض الفساد وعلى مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، المرض الاخر هو مرض المحدودية السياسية عند من يديرون العملية السياسية، بالتالي نحن نعاني من ازمة ديمقراطيين وليس من ازمة نظام ديمقراطي".

اضاف الاجودي "المرض الاخر هو التدخلات الخارجية التي تسيطر على الشأن الداخلي، بل واكثر من ذلك فان بعض الاقطاب السياسية يطلبون من الدول الخارجية التدخل بالشأن الداخلي، الشيء الوحيد الذي جاءت به الديمقراطية واصبح محررا من كل القيود وهو العنف وعلى جميع الصعد، لذا بدأ حمام الدم بكل حريته يجوب ارض العراق، بالتالي ما أن بقت تلك الامراض يبقى الوضع قائما على ما هو عليه".

السؤال الثاني / ما هو المقترحات اللازمة لتصحيح المسار الديمقراطي في العراق؟

-  الدكتور قحطان حسين الحسيني :

على مستوى البيئة الداخلية العراق وبعد (2003) اصبحت مدة زمنية طويلة، ويحتاج النظام في العراق إلى احداث تغيرات حقيقية على مستوى الدستور، نحن بحاجة إلى تعديل دستوري، كذلك على مستوى الانظمة والقوانين هناك حاجة إلى اجراء تعديلات جوهرية وحقيقية تتناسب مع طبيعة المرحلة.

اضاف الحسيني هناك حاجة الى قانون انتخابي يضمن التمثيل الحقيقي ويحترم ارادة الناخب. وبالتالي نكون قادرين على ايجاد حكومة تتفق ورغبة الاحزاب الحاكمة. وعلى مستوى البيئة الداخلية لدينا الافة الكبرى وهي الفساد، لذا لا مناص عن مواجهته لتعزيز ثقة الجمهور بالنظام الديمقراطي.

يكمل الحسيني ايضا، على مستوى البيئة الخارجية لدينا مشكلتين اساسيتين، المشكلة الاولى هي قضية قدرة الحكومات العراقية بمسمياتها بأطرافها على لجم التدخل الخارجي في الشأن العراقي، وهذا التدخل للأسف متمثل بوجود أيدولوجيتين واضحتين احدهما اسلامية مدعومة من ايران، والاخرى لبرالية يقال انها مدعومة من الولايات المتحدة الامريكية. مقابل ذلك لدينا ايديولوجية حضورها ضعيف ولكنها موجودة وقادرة على تحقيق انجازات وهي الايديولوجية الراعية للمصالح الوطنية.

فضلا عن قضية التدخل الخارجي والقدرة على لجمه، لدينا قدرة الحكومة العراقية على توظيف المتغيرات الخارجية في البيئة الخارجية، كالصراع في الشرق الاوسط والصراع بين الدول الكبرى، وهنا ممكن للعراق وعن طريق دبلوماسية ناجحة وفاعلة، إن يوظف هذه المتغيرات لمصلحة العراق. لذلك انجح طريقة لتوظيف هذه المتغيرات هو لعب دور حيادي من اجل تحقيق مصلحة ما بين  العراق والدول الاخرى، بعيدا عن التدخل في تكتلات واحلاف من شأنها أن تفسح المجال واسعا للتدخل في الشأن العراقي.

كما اوضح الحسيني ان الديمقراطية هي اساسا قائمة على سيادة روح المواطنة. الانقسامات المجتمعية التي سبب من اسباب وجودها هو الانقسام السياسي والزعامات الدينية، فيجب أن يوضع لها حد من خلال تأسيس منتديات وحوارات ومؤسسات، بغية التقريب بين وجهات النظر والدخول في عملية حوار ومصارحة وطنية، وذلك من اجل على كل عوامل الانقسام التي شرخت المجتمع العراقي، وبالتالي هي تساهم في اطالت مدة عملية الانتقال إلى الديمقراطية.

-   عدنان الصالحي،

يرى: إن التصحيح يبدأ من وضع قانون انتخابي حقيقي، تشارك فيه منظمات دولية ومنظمات مجتمع مدني دولية، ولجان حكومية غير ممثلة للأحزاب. هذا القانون لا يكون مفتوحا على كل الافكار، بل يكون محصورا بالدوائر المتعددة او دوائر شبه المتعددة وهذه اول نقطة، فاذا ما اقر هذا القانون، فتذهب تلك اللجان إلى المفوضية كي تنتج لنا مفوضية كما انتجت قانون الانتخابات في السابق. بالنتيجة عندما نوجد قانون عادل ومفوضية عادلة، نحتاج عندها غلى شيء ثالث وهو المراقبة العادلة، فبعد تشكيل مفوضية جيدة وبالطريقة التي انتجنا بها قانون جيد، نضع لجان دولية لمراقبة الانتخابات والتصويت الالكتروني والفرز الالكتروني.

اضاف الصالحي "بالنتيجة هذه العملية سوف تنتج لنا برلمان جديد، عندها يكلف هذا البرلمان بإعادة النظر بالمواد الدستورية الخلافية ويعاد التصويت عليها، ايضا اعادة التحقيق في ملفات المجازر الكبرى وفي قضايا الفساد الكبرى، وذلك لأننا امام حقوق عامة قد تم التعدي والتجاوز عليها. فالكثير من لجان التحقيق تم تشكيلها لكن لم يتم الاعلان عن النتائج التي توصلت اليها، بالنتيجة سوف نصل إلى نقطة جوهرية ومهمة وهي كسب ثقة المواطن، بالتالي نضمن تفاعله مع النظام الديمقراطي، على اعتباره هو المادة الاولية للبناء الصحيح.

 -  سماحة الشيخ مرتضى معاش،

دعا اولا الى انتاج منظومة قيمية مجتمعية جديدة، تبدأ من المرحلة الاولى للتحول الديمقراطي، وترسيخ منظومة الحرية والتعددية في الاسرة والمدرسة، ومنظومة اللاعنف، الرحمة، التراحم، التعايش حتى تغطي كل قطاعات المجتمع، كذلك لابد من تعزيز روح المبادرة لأنها اساس بناء الامم واساس تقدم المجتمعات.

اضاف معاش، من المؤسف انه في احيان كثيرة نصاب باليأس والتشاؤم، وهذا ما يثبط روح المبادرة، لذلك نحن اليوم نعاني من الانتقال السيء والتحول الديمقراطي السيء في العملية، وهذا واقعا يأتي نتيجة فقداننا لزخم المبادرة، بالتالي نحن نحتاج الى النخب الفكرية هي التي تؤسس لعملية التحول.

يكمل معاش "اليوم عندما نطلع على التجربة الديمقراطي في كثير من الدول الاوربية، نكون امام تجربة ديمقراطية تمتد لسنوات طويلة، اذ كان للنخب المفكرة والمثقفين دور كبير في عملية بناء منظومة القيم الديمقراطية، من امثال الفلاسفة كانت، جان جاك روسو وغيرهم وقد ساهموا في بناء النظام السياسي التعاقدي والديمقراطي التعددي. وهذا ما نفتقده في بلدنا. كذلك على النخب الثقافية والاكاديمية أن تتصدى لعملية انتاج منظومة قيم سياسية واقتصادية ومجتمعية قادرة على أن تعطي زخم لعملية التحول.  وهناك حاجة الى تعزيز المشاركة المجتمعية من خلال تعزيز المشاركة السياسية، بالتالي لا يمكن أن نكون منعزلين عن الانتخابات وعن الاحزاب، فلابد أن تكون المشاركة المجتمعية شاملة في الرقابة وفي المتابعة وفي بناء المؤسسات. 

كذلك النقطة الاساسية تتعلق ببناء المسؤولية، فالمسؤولية هي التي تنتج المواطنة، علما أن بناء المسؤولية يبدأ من المدرسة، وهذا خلاف الواقع اليوم حيث تتعزز لدينا قيم اللامبالاة، الفوضوية، والانسحاب، التنازل، الهروب من الواقع. لذا فان بناء المسؤولية هي اساس روح المواطنة التي تعزز المشاركة المجتمعية وتعزز كذلك بناء النظام السياسي. وبالتالي تعزز التحول الديمقراطي الحقيقي.

-  الدكتور حميد الهلالي،

اكد انه حينما نعول كثيرا على النخب السياسية أن تصلح الوضع القائم الان، كأنما نعول على شيء لا يمكن تحقيقه، بل على العكس من ذلك هي تتذاكى في إنتاج قوانين وانظمة تكرس وجودها في السلطة. ففي قانون مجالس المحافظات تجرى لان مناقشة الاساءة لهذا القانون من خلال العودة لاعتماد شهادة الاعدادية واعادة انتخاب الاقضية والنواحي. لذلك نحن امام مسؤولية الاستفسار عن الوسائل التي نلزم بها هذه الكتل حتى تغير مسارها، خصوصا وأن هذه الكتل قد اختزلوا الدولة واختزلوا العراق واختزلوا التغيير.

اضاف الهلالي، بالتالي لابد البحث عن الوسائل التي تجبر القوى السياسية على تغيير وضعهم وهي مسؤولية الشعب أن يضغط اكثر. لذلك من الامور المهمة هي حظر التدخل الخارجي لتغير الوضع، خاصة وأن القوى السياسية اغلبها مرتهنة للخارج. لذلك وحتى نعزز من حالة الرقابة الشعبية فلابد على الشعب العراقي أن لا يقاطع الانتخابات وان يكون صوته ذو قيمة وصوته شرف. 

   الحقوقي احمد جويد،

دعا الى كشف الشخصيات والجهات التي تقاوم التغيير الديمقراطي في الداخل وفي الخارج. فهناك دول لا تريد للعراق أن يتحول إلى نظام ديمقراطي في وسط دكتاتوري. فضلا عن ذلك هناك اشخاص وجهات تستفاد من الوضع القائم وهم بطبيعة الحال القابضين على السلطة. الشيء الاهم ان العراق فقد الطبقة الوسطى وهي الطبقة الضاغطة والمهمة في تغير الواقع وعلى مسار التاريخ. 

-  حامد عبد الحسين الجبوري،

يرى أن الشعب العراقي لا زال غير مؤمن بانه مصدر للسلطات، بالتالي لا يمكن احداث فرق نحو التحول الديمقراطي.

-  علي حسين عبيد،

يرى باننا نحتاج لأنسان يعرف مسؤوليته ويعرف القيم الصحيحة.

التعليقات