اقليم كوردستان والموازنة الاتحادية لعام 2021: تغلب السياسة على الارقام

اعتمدت حكومة اقليم كوردستان مبدأ مقايضة الموقف السياسي بالمصالح الاقتصادية والمالية منذ العام 2003، وقد استغلت ضعف التوافق بين الفرقاء في حكومة بغداد لتوثيق علاقاتها بكتل واحزاب تشكل ثقلا في المشهد السياسي العراقي. مع ذلك، توترت علاقة حكومة الاقليم بحكومة بغداد مع نهاية حكم رئيس الوزراء الاسبق نوري المالكي وطيلة حكم رئيس الوزراء الاسبق حيدر العبادي، بسبب انفراد حكومة الاقليم في التعاقد والاتفاق مع شركات نفط عالمية على انتاج وتصدير ونقل نفط الشمال خارج مظلة وزارة النفط الاتحادية، رغم استحواذ الاقليم على نسبة (17%) من الموازنة الاتحادية، تم منحها كمجاملة سياسية على حساب بقية محافظات العراق لسنوات طويلة.   

عام 2018، دعمت حكومة الاقليم رئيس الوزراء الاسبق عادل عبد المهدي لروابط تاريخية تجمع الاخير بالكورد منذ عقود، وقد تغاضت حكومة عادل عبد المهدي بإصرار عن تنصل حكومة الاقليم عن وعودها في تسليم الايرادات النفطية وغير النفطية للخزينة الاتحادية، واستمرت حكومة عبد المهدي في تمويل حصة الاقليم من الموازنة الاتحادية لعام 2019، رغم نص المادة (10/ ثانيا/أ) القاضية بتسليم الاقليم الحصة المتفق عليها والبالغة (250) ألف برميل يومياً الى شركة سومو ، وهو ما لم يحصل طيلة العام 2019، رغم استلام حكومة الاقليم كافة الحصة المقررة لها من الموازنة الاتحادية والبالغة اكثر من (9) ترليون دينار دون تسليم الايرادات النفطية وغير النفطية للإقليم. وقد تجاهلت الحكومة الاتحادية، آنذاك، نص المادة (10/ ثانيا/ج) في قانون الموازنة الاتحادية لسنة 2019 النافذ باستقطاع مبلغ الضرر الناجم عن امتناع اقليم كوردستان من تسليم الكمية المتفق عليها (250 برميل يوميا)، من حصة الإقليم المقررة في موازنة العام 2019. فضلا على مخالفة حكومة اقليم كوردستان نص المادة (10/ ثانيا/د) في قانون الموازنة الاتحادية لسنة 2019 النافذ، والقاضية بإلزام حكومة اقليم كوردستان عند حصول أي زيادة في الكميات النفطية المصدرة بإيداع الايرادات المتحققة فعلا لحساب الخزينة العامة للدولة، وقد تجاوزت صادرات الاقليم (500) الف برميل يوميا عام 2019 بحسب بيان وزارة النفط الاتحادية. 

وبعد حصول مصطفى الكاظمي على دعم الكورد في تشكيل حكومة جديدة، بادر الكاظمي فور استلامه الحكم في العراق في شهر ايار 2020 الى دفع مبلغ (400) مليار دينار الى حكومة اقليم كوردستان كبادرة حسن نية لاستئناف المفاوضات حول الخلافات القائمة، رغم صعوبة الوضع المالي الذي شهدته خزينة الدولة آنذاك، وفقدان العراق ثلثي ايراداته النفطية بسبب انهيار اسعار النفط في الاسواق العالمية. وقد اشترطت وزارة المالية في المادة (2) من كتاب التمويل المرسل للإقليم ضرورة التوصل لتسوية نهائية بين المركز والاقليم خلال موعد اقصاه (30) يوم من تاريخ ايداع مبلغ (400) مليار في حساب حكومة الاقليم. وقد قيمت وزارة المالية مطلع شهر اب من العام الماضي نتائج سير المفوضات بين الطرفين بجدية ووضوح، بالإشارة الى ان الدفعات المالية المرسلة الى وزارة مالية اقليم كوردستان لم تصل الى المستحقين، بالإضافة الى تلقيها طلبات موقعة من عشرات الالاف موظفي الاقليم لربط مرتباتهم عبر الاليات المصرفية بالحكومة الاتحادية بشكل مباشر. فضلا على امتناع حكومة اقليم كوردستان عن تقديم الايرادات المالية المتحصلة من المنافذ الكمركية وهي مخالفة لمبدأ الشراكة الوارد في المادة 114 (اولاً) من الدستور لتأمين الرقابة على المنافذ الحدودية في الاقليم.

المفارقة ان بيان وزارة المالية المذكور حول سير المفاوضات مع اقليم كوردستان، حمل الاخير مسؤولية عرقلة التوصل الى اتفاق عادل بين الطرفين يتسق مع الدستور والقانون، رغم استلام الاقليم مبلغ (400) مليار دينار، قد قوبل بكتاب موجه من الامانة العامة لمجلس الوزراء يُلزم وزير المالية صرف مبلغ (320) مليار دينار لحساب حكومة اقليم كوردستان. ويفصح الكتاب المذكور عن جملة من التجليات اهمها ضعف التنسيق الحكومي المؤسسي، وهي ثغرة طالما استغلها الساسة الكورد. والاستجابة للضغوط السياسية على حساب المصلحة الوطنية. واستمرار استحواذ حكومة اقليم كوردستان على مبالغ ضخمة من الموازنة الاتحادية دون مقابل يذكر.

قانون تمويل العجز المالي وتجميد تمويل الاقليم

مطلع شهر تشرين الثاني من العام الماضي تم التصويت على قانون تمويل العجز المالي الحكومي كبديل عن الموازنة الاتحادية لعام 2020 ولتسيير الاوضاع المالية في البلد. القانون الجديد تضمن جملة من الفقرات الهادفة الى تعظيم الايرادات غير النفطية وضبط وترشيد النفقات الحكومية، وقد تضمن القانون وللمرة الاولى منذ عقدين، الزام لحكومة اقليم كوردستان بتسليم النفط المصدر، وبحسب الكميات التي تحددها شركة سومو، وتسليم نصف الايرادات غير النفطية، كشرط مسبق لتمويل الاقليم من الخزينة الاتحادية. اذ نصت المادة (7) من القانون المذكور بـ " تحدد حصة اقليم كوردستان من مجموع الانفاق الفعلي (النفقات الجارية ونفقات المشاريع الاستثمارية) بعد استبعاد النفقات السيادية المحددة بقانون الموازنة العامة الاتحادية بشرط التزام اقليم كوردستان بتسديد اقيام النفط المصدر من الاقليم وبالكميات التي تحددها شركة تسويق النفط العراقية (سومو) حصرا والايرادات غير النفطية وبإشراف ديوان الرقابة المالية الاتحادية. وفي حالة عدم التزام الاقليم لا يجوز تسديد نفقات الاقليم ويتحمل المخالف لهذا النص المسؤولية القانونية".

وقد قوضت المادة (7) في قانون تمويل العجز المالي مراهنات الساسة الكورد على العامل السياسي في تحقيق المكاسب المالية دون الالتزام بالدستور او القوانين العراقية النافذة، واثار ضجة سياسية في الاقليم انقسمت على اثرها الاحزاب الكوردية، مع اتهامات مباشرة للسلطة الحاكمة في الاقليم على تهريب نفط العراق الى جهات محددة وعدم وصول تمويل الحكومة المركزية الى الشعب الكوردي طيلة الشهور الماضية.

مشروع قانون الموازنة الاتحادية لعام 2021

تداعيات قانون تمويل العجز المالي والتظاهرات الشعبية التي خرجت للمطالبة بحقوق الشعب الكوردي الزمت حكومة الاقليم البدء بحوار جدي مع لجنة تضم عدد كبير من الاطراف السياسية والنواب اشترطت اعتماد الشفافية والارقام لحلحلة المفاوضات والخروج بنتائج حاسمة تنصف الطرفين وتجنب الشعب الكوردي المأزق المالي الراهن نتيجة السياسات النفطية والمالية الغامضة لحكومة اقليم كوردستان طوال السنوات الماضية.

مع ذلك، جاء صيغة مشروع قانون الموازنة الاتحادية لعام 2021 مخيبة للآمال بعد تضمين ذات النصوص الملغمة الى الموازنة الجديدة، بسبب صفقة سياسية بين قادة الكتل والرئاسات الثلاثة مطلع شهر كانون الاول الماضي. فقد تضمن مشروع موازنة العام 2021 العديد من البنود التي تعيد نفس المشهد المتأزم بين حكومة بغداد وحكومة الاقليم وتنذر باختناقات مستقبلية بين بغداد والاقليم اذا مُررت الموازنة بشكلها الحالي ومنها: 

1- تشير مادة (11/ ثانيا/ج) الى " عند عدم قيام حكومة اقليم كوردستان بتسديد الايرادات الاتحادية المستحصلة الى الخزينة العامة الاتحادية او عدم تنفيذها لأحكام الفقرة (أ) بتسليم (250000) برميل يوميا، تقوم وزارة المالية الاتحادية بتطبيق احكام المادة (27-خامسا) من قانون الادارة المالية رقم 6 لسنة 2019 باستقطاع الحصة المحددة بموجب البندين اولا وثانيا (أ) من هذه المادة وتجري التسوية الحسابية لاحقا. وحقيقة الامر فان المادة المذكورة مطابقة لمضمون نص (المادة 10) من موازنة 2019، والتي استغلها الاقليم حين استلم كامل حصته في موازنة 2019 (اكثر من 9 ترليون) دون تسليم حكومة بغداد برميل نفط واحد ولم تجري التسوية لغاية الان. وينبغي لتفعيل نص (مادة 11/ثانيا/ج) اضافة كلمة شهريا الى نص المادة لتكون التسوية الحسابية مع الاقليم بشكل شهري وليس لاحقا كما ينص عليه مشروع الموازنة، لأجل تصفية الحسابات شهريا واستقطاع مبلغ الضرر الناجم عن عدم التزام الاقليم لشهر ما من التمويل المستحق للشهر الذي يليه.

2- من جانب اخر الزمت المادة (11/ ثالثا) من المشروع الموازنة الاتحادية 2021 على تسوية القروض والالتزامات المالية المترتبة على الاقليم من عام 2014 ولغاية العام 2019 رغم عدم وجود سند قانوني يسمح للإقليم بالاقتراض من الخارج لا سيما ان المادة (110) من الدستور منحت السلطات الاتحادية حصرا حق الاقتراض او التوقيع على الاتفاقيات. كما ان الاقليم لم يسلم بغداد الايرادات النفطية وغير النفطية خلال المدة المذكورة وكان يجدر بالحكومة الاتحادية مطالبة الإقليم بتسديد ما عليه من ديون الى بغداد نظرا لاستلامه مبالغ مالية ضخمة دون تسليم الخزينة الاتحادية الايرادات النفطية وغير النفطية كما نص عليه الدستور وقوانين الموازنات النافذة. 

ومن المفارقات المثيرة للاستغراب والجدل في ان واحد غياب اي ملاحظة بخصوص تفاصيل المادة (11) في توصيات تقرير اللجنة المالية النيابية حول مشروع الموازنة الاتحادية 2021، مما يشير الى احتمالية توصل قادة الكتل السياسية لاتفاق على تمرير الموازنة الاتحادية بسلة واحدة، مع اجراء بعض التعديلات الطفيفة التي لا تمس جوهر التناقضات والمخالفات التي اعترت نص مشروع الموازنة الاتحادية عام 2021، ومنها التسوية المالية مع اقليم كوردستان. 

التعليقات