سلسلة  كيف نصنع المستقبل(1)

 

 تحريــر العقــول

السبيل لمواجهة التحديات التكنولوجية للقرن الواحد والعشرين

 

د.احمد باهض تقي / مدير مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية

 

  المقدمة

 

لعل أهم ما يميز تطورات العصر هو التدفق الهائل للمعلومات سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الإعلامي أو الثقافي أو غيرها  من الحقول والقطاعات المجتمعية، ومن هنا يصبح أي مجتمع وأي نظام سياسي يقود ذلك المجتمع وفق فلسفة معينة،أمام خيارات ليست سهلة، فأما أن يتم بمواجهة تدفق المعلومات ومن ثم السيطرة عليها وتوجيهها بما يخدم المجتمع، أو الحفاظ على السياسات التقليدية وهذا خيار انتحاري غير عملي لان الدولة أي دولة تسقط في دوامة القرارات من حولها، ولذلك يصبح من الضروري جدا، أولا أن نحشد الجهود مع العلاقات التجارية بين الشركات الصناعية و الشركات والدوائر المرتبطة بالوزارات الأخرى كافة، وثانيا لابد من إصلاح جذري لفلسفة الإنتاج لكي ندخل إلى الأسواق المحلية الإقليمية بإنتاج متميز .

 

هنا نتساءل كيف نحقق هذين الهدفين ؟ إن تحقيقهما يتطلب ما يلي :

1 – لابد من الاعتماد على التكنولوجيا الحديثة والتي يجب توطينها بما يتلاءم والبيئة الاقتصادية العراقية .

2 – لابد من الاعتماد المستمر وبدون توقف على المعلومات وإنشاء وحدة متكاملة خاصة بها في كل وحـدة إنتاجيـة أو خدميـة .

3 – لابد مـن التعجيـل وعدم التردد من الاعتماد المستمر على ثورة الاتصالات حيث مـا زلنا معتمدين وبشكل رئيسـي على تجهيز      احتياجاتنا منها على الخارج فقط.

 

    إذن من الأخطاء التي يمكن أن نقع فيها هي الفصل بين الدبلوماسية والاقتصاد، وبين السياسة الأمنية وسياسة فتح الأسواق حتى في الظروف التي نراها استثنائية، من هنا يصبح لزما علينا أن نفرج عن المعلومات والاكتشافات التي تحصل في الصناعة التابعة للدولة أمام القطاع الخاص وتعشيق هذا القطاع مع القطاع الحكومي، لأنه ببساطة بدون ذخيرة المعلومات وبدون التطورات التكنولوجية سوف لن يتقدم الإنتاج المدني بدرجة تسمح له بالتغلب على المنافسين .

 

     أليس لزاما علينا أن نقول أن التقدم العلمي يحتاج بالضرورة إلى عملية تجديد للفكر، وهذه العملية تنصب أساسا على الإنتاج الصناعي،وهنا لابد من وضعهم في الاختبار،ولابد من تدقيق تواصلهم مع أخر التطورات والاكتشافات.

 

    وان الذي لا يتطور أو يتابع،فانه بصراحة يصبح خارج المسيرة لأنه بدون ذلك من الصعوبة أن يتلاءم مع التغيرات ويفقد القدرة على الانسجام مع الواقع وحيث إن أية قرارات أو سياسة أو خطة تحاول الدولة تطبيقها سوف تسقط في خانات الفكر المتجمد،إن الفكر الجامد الذي يحاول أن يخطط لم يعد يصلح لأداء وظيفة ولابد من أفكار جديدة تأخذ بنظر الاعتبار المهمات الكبيرة الملقاة على عاتقها، حيث إن التمسك بقواعد نظرية لغرض تطبيقها ورفض تغيير الأفكار الثابتة سوف يصطدم بحقيقة إن أزمة اقتصادية سوف تواجه تلك الوحدة الإنتاجية وبالتالي هل تضطر إدارة تلك الوحدة إلى طرد وتسريح آلاف العمال وإيقاف الإنتاج ؟بالطبع هناك موازنة وخصوصا في بلدنا، وتوجيهات الدولة في هذا المجال واضحة، هي البعد الاجتماعي،ومصير هؤلاء العمال وتشغيلهم، إذن حتى لا نصل إلى حالة يكون فيها المشروع غير مجديا من ناحية الربحية ومن ناحية الكفاءة لابد من عدم الوصول إلى حالة الكسل الإجباري الذي يتمثل بتسريح العمال والاستغناء عنهم .

 

لابد من تحرير العقول     

 

إن إدارة الإنتاج في أي مشروع سواء كان صغيرا أم كبيرا، يجب أن تمتلك المرونة الكافية والقدرة على الحركة لمواجهة المتغيرات حيث إن رؤية المستقبل والقدرة على مواجهة أعباءه ومتطلباته تحتاج إلى تغيير العقليات، أي كل شخص يتمسك بالمناهج والأساليب التقليدية البالية في مواجهة واقع جديد يكتسح كل من يعترض عليه، إن النجاح الذي حققته الصين في تركيزها على المعلومات والاتصالات والتدريب والتعليم لهو واضح وبنفس الوقت هو عملية لا تتوقف.

 

ربط العمل بالتعليم

 

     إذن لابد من ربط واضح ومتماسك بين العمل وحقوله كافة ومناهج التعليم في المدارس والجامعات، وربط ذلك كله بخطط الإنتاج والتطور التكنولوجي، آن  الأوان لكي نبتعد عن الأسلوب التقليدي في التقييم والذي يعتمد معيار الشهادة العلمية في تقييم العامل فقط، إن تلك الشهادة تعني إن صاحبها استمر في تحصيل العلم حتى تاريخ حصوله على الشهادة مع إن التقدم العلمي والتكنولوجي مستمر يوما بعد أخر .

 

كيف هي مناهج التعليم

 

    إننا نعتمد المناهج العلمية المتوفرة في تعليم الطلبة وتدريبهم، ولا نبالغ إذا قلنا إن العديد من المناهج أصبحت اليوم متخلفة وقد لا نصاب بالدهشة إذا ما رأينا مناهج معتمدة منذ ثلاثون أو أربعون عاما، فكيف إذن سنواجه التطور التكنولوجي بمناهج معدة لوضع سابق؟ ففي عالم اليوم الكتب التي تصلح لمتابعة ذلك التطور كمناهج تعليمية عام2006 سوف تختلف تماما عن تلك الكتب القديمة التي لا تصلح للتدريس والصادرة عام 2005، فكيف نتصور خطورة الحال في جامعات ومعاهد ما زالت تقدم لطلبتها كتبا ومصادر للمعلومات تعود إلى ما قبل نصف قرن.

 

ما هو العمل المطلوب     

 

    المطلوب الآن هو استمرار التعليم والتدريب من ((المهد إلى اللحد)) والذي يتجاهل هذا المطلب الذي يعد ضرورة ملحة سوف يتعرض لمخاطر هائلة، فالعامل الذي يتخلف في تحصيل العلم  والتدريب سوف يواجه المنافسة من عمال أفضل منه فالشهادة لم تعد وحدها دليل  المهارة، فالتدريب المستمر مهم جدا، والثورة التكنولوجية وأدواتها لا تحتاج إلى شهادات فقط، إنها تحتاج إلى برامج للتدريب عليها ومعرفة العلوم واللغات الخاصة للاستفادة منها، فالبرامج والمناهج التقليدية للتعليم لا تصلح.

 

    إذن لابد من الأخذ بنظر الاعتبار إن 50 % من الوظائف والأعمال الموجودة اليوم لم تكن موجودة منذ عشرين أو ثلاثين عاما، وبين العلوم المطلوب دراستها أكثر من 80 % منها تخصصات كانت مجهولة مثل تخصصات في الجراحة والإنشاءات والسياحة ووسائل الإعلام والإدارة والاقتصاد وغيرها، وتزداد المهمة صعوبة إذا ما علمنا إن التخصصات الجديدة تحتاج إلى دراسات وتدريبات أكثر صعوبة،وهنا ليس من السهولة العثور على طلبة قادرين على استيعابها بين أجيال متأثرة كثيرا بالاعتماد على الضغط على الأزرار لمشاهدة برامج التلفزيون مما أدى إلى ضعف ثقافتها وصعوبة تحصيلها للمعلومات، وهنا يصبح التغيير شعارا ضروريا ولابد من رفع (التغيير صديقنا وليس عدولنا) حتى لا يخشى الناس التغيير ولا يستسلمون بلا تفكير للقيد التكنولوجي الذي تفرضه عليهم معلومات تنقلها وسائل الإعلام من كل مكان على الأرض إلى أي مكان على الأرض، فيؤثر فيهم وتتشكل علاقاتهم وفقا لذلك.

 

الخيار الوحيد - الحل التكنولوجي

 

    إننا عندما نراقب التطورات الحاصلة بفعل التقدم التكنولوجي في المجتمعات البشرية فإنها تبدو لنا اقرب إلى القضاء والقدر، لذلك فهي تغير وتمارس تأثيرها في السلوك الإنساني والقيم السائدة بصورة تدريجية وبنفس الوقت فانه من حسن الحظ إنها لا تعمل على إحداث الصدمات في المجتمع بل تعمل بصورة تدريجية، حيث استخدام التكنولوجيا المتطورة لا يؤدي إلى تقلصات اجتماعية مفاجئة برغم ضخامة الفارق بين استخدام التكنولوجيا أو عدم استخدامها، السبب هو ما توصل إليه علماء الاجتماع انه لا يوجد شئ يسمى بالحل التكنولوجي لمشاكل البشر.

 

    الابتكارات التي صاحبت الثورة التكنولوجية والمعلومات الحديثة والتي احتشدت لتكون في خدمة الإنسان لا تستطيع أن تصنع الحل، إنها تستطيع أن تخفض التكاليف الإنتاجية، وتستطيع تحسين وتيسير وسائل الاستغلال والانتفاع، لكنها لا تستطيع حل العديد من المشاكل الإنسانية، ذلك إن العقول وليست الآلات هي التي تقود الإنتاج التكنولوجي والعقول هي الأهم لأنه هي المسئولة عن قبول التغيير والاستعداد له ولان التطور التكنولوجي هو نتاج العقل وان تكون الأولوية لاستمرار التعليم واستمرار التدريب بلا استسلام أو انبهار بأي تقدم يتحقق تكنولوجيا، لكن العكس إن التقدم في مجال التكنولوجيا هو التحدي المستمر ليقظة العقل البشري.

 

 

 

 

| © جميع الحقوق محفوظة لمركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية1427هـ/ 2006م