
المرأة والحرية
عقيلة
عبد الحسين الدهان*
حرية الاعتقاد هي من أوليات حقوق الإنسان التي يثبت بموجبها إنه
إنسان، فالذي يسلب حرية اعتقاد أي إنسان، إنما يسلبه إنسانيته، أضف
لهذه الحرية، حرية الأمن والأسرة والمجتمع، فإن علينا أولاً أن
نبحث في موضوع الحريات وأسسها ومدياتها وأخلاقياتها الجميلة.
المرأة هي محور موضوعنا وهي قضية الفرد في مجتمعه، لأنها جزء من
المجتمع وبما أنها إنسان يتمتع بكامل حريته بالاعتقاد وإبداء الرأي
والتعبير، فهي بموجب ذلك لها حقوق وعليها واجبات أقرتها شرائع
السماء والقوانين المدنية وثقافات الأمم المختلفة ذات القيم
السامية.
وإذا بحثنا في نشاطات المرأة في الحياة العملية ومشاركتها في العمل
الانتخابي أو التعليم أو النظام الإداري البرلماني، فلابد أن يكون
الهدف هو مصلحة المجتمع وحاجته، ومدى كفاءتها لدفع عجلة التقدم
الحضاري، فالعلة ليست في المشاركة المجردة دون جدوى في خدمة
المجتمع بأكمله. ومراعاة قضية حقوق المرأة وحريتها على حساب
المجتمع بأكمله، إنما يعني تدهور المجتمع لأنها جزء يضاف له جزء
آخر فيشكل الكل، والاهتمام بالجزء دون الجزء الآخر إنما يعني خراب
الباقي المتبقي. ومن باب الاعتدال والوسطية أن نرى طبيعة الإنسان
من حيث ضعفه وقوته، حريته ومحدوديته، فهو تركيب من لحم ودم وأعصاب
وعقل وروح ونفس وغرائز ورغبات وأوضاع نفسية عديدة، كالحب والبغض
والرجاء والخوف والانا والتنافس، ولهذا ننظر إلى الدوافع البشرية
والحاجات الإنسانية، فلا كلفة ولا عناء ولا يطغى جانب على آخر، ولا
حاجة على الأخرى. والحرية حسب المفهوم السائد في مجتمعنا لا تتعارض
مع قواعد الضبط الأدبي والأخلاقي والتي تمنح الفرد بما فيه
–المرأة- كامل تحركه في المجتمع دون الإخلال بالنظام العام، وعلى
أن لا تتعارض مع سياق حياة الأسرة، فمثل هذه الحرية مطلوبة وضرورية
لتنظيم المجتمع،مثلها مثل إشارات المرور هي لضبط السير وتقليل نسبة
الحوادث المؤسفة، وللحفاظ على السلامة العامة لا لشل الحركة
المرورية ومما لا شك فيه إن الحرية تتولد من الاستغناء النفسي
والخلق العظيم وحب الإنسان، وبهذه الفضائل أراد لنا أئمتنا أهل
البيت (ع) أن نكون أحراراً في دنيانا: (لا تكن عبداً لغيرك وقد
خلقت حراً). كما يتولد الاستبداد من حاجة المستبد إلى إشباع أهوائه
ورغباته الخاصة وفقره النفسي، فالذي يمارس القمع ويصادر الحرية من
غيره إنما ينبغي النظر إلى مقاصده ومصالحه الذاتية، بينما الإنسان
المحب الودود يترفع ويسمو بمقاصده الشريفة لتحقيق الخير للآخرين،
وتمتد طموحاته إلى المصالح العامة للمجتمع، وتصرح الآية المباركة
بهذا المعنى العظيم: (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء
فليكفر). والمرأة لكي تؤدي واجبها كإنسان عليها أن تعكس تلك الصورة
المشرقة للآية القرآنية الصريحة. والقيود التي يفرضها المجتمع
ينبغي أن تكون منطلقة من تعاليم الدين والشريعة السمحاء والأعراف
الخاطئة السائدة على نشاطات أبناء المجتمع قيوداً تشل تفكيرهم وتغل
أيديهم وتمنعهم من التحرك الهادف. المسؤولية تقع بالدرجة الأولى
على المرأة نفسها صاحبة القضية، إن كانت تضامنية تشاركية، فعليها
أن تدخل الساحة بجرأة وقوة رافضة القيود التي هي ليست من الشريعة
ولا من تعاليم الدين.المرأة سيدة المجتمع، بنت المجتمع وتحملها
المسؤولية لدفع مسيرة المجتمع إنما هي دليل موجوديتها الفاعلة، وقد
خلق الإنسان موجوداً مسؤولاً وأريد له أن يتكامل ليرتقِ بإنسانيته،
ولا يكون ذلك إلا من خلال مقدرته ومدى تحمله لتلك المسؤولية
الملقاة على عاتقه بالأسلوب الذي يوصله للكمال الإنساني وبناء
الحضارة. وبالطبع هذه المسؤولية تتطلب نوع من الحرية المنضبطة لا
المقيدة، فحرية المرأة ينبغي أن تكون على الطراز القرآني الصحيح،
فلا ضرار ولا مفاسد، وهي حرية لها أسس واقعية تفتح الأبواب لإبداء
الرأي واستعراض الفكر المبني على مفاهيم صحيحة وثقافات مجتمعية
أصيلة ممزوجة بمبادئ القرآن والحديث النبوي المؤكد للوصول إلى غاية
أسمى وهي العدالة، الركيزة الكبرى لبقاء المجتمعات والدول.
عضوه
سابقة في الجمعية الوطنية العراقية
*
| أفضل مشاهدة 1024 × 768 |
| © جميع الحقوق محفوظة لمركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية1427هـ/ 2006م
|