
((مأزق الديمقراطية في العراق ))
يعرف المهتمون بالعلوم السياسية، لا سيما أولئك الذين يهتمون النظم
السياسية، إن العراق ليس فريدا في تنوعه الطائفي والعرقي والديني
والفئوي، فهناك كثير من البلدان التي تشبه أو تفوق العراق في
تنوعها كسويسرا، وبلجيكا، وهولندا، والنمسا، والهند...، لكنها
استطاعت المحافظة على وحدتها أرضا وشعبا، وأسست أنظمة حكم راقية أو
تسير في طريق الرقي، وأصبحت ديمقراطيات يشار لها بالبنان، ويكفي إن
نشير إلى إن شدة التنوع اللغوي فقط في الهند يصل إلى أكثر من 900
لغة محلية. إذاً لماذا ينفرد العراق من بين هذه الدول فيتحدث قادة
الرأي فيه عن تقسيمه بسبب الفدرالية ومحتوى الديمقراطية؟ لقد جعلت
هذه النبرة المتصاعدة المراقب يتصور إن هشاشة العراق وصلت إلى
مستوى الاحتضار، حيث ينتظر إطلاق رصاصة الرحمة على جسده، حتى يقرأ
عليه سورة الفاتحة، ويعّده احد مخلفات التاريخ التي سوف تذكّر بها
المتاحف، وتدرسها المدارس والجامعات، وهذا الأمر، جعل العراقي
البسيط يشعر بالحيرة، فكثرة الحديث عن تقسيم العراق يدفعه إلى
الاختيار بين عودة الاستبداد الذي يحفظ وحدة العراق، وبين
الديمقراطية التي يمكن إن تقسمه وتمزقه وتشتت شمل أهله ، وهذا
الاختيار مرٌ وصعب، فقد كوى الاستبداد العراقي طويلا، فأذله وأهان
إنسانيته وسحق كرامته ، فكيف يقبل بعودته، بل كيف يتصور أولاده
وأحفاده وهم يحيون في ظله، وإذا كانت وحدة العراق عزيزة عليه ، فإن
ربطها بالاستبداد يفقدها حلاوتها وجاذبيتها، إذ لا خير في وحدة
ثمنها الاستبداد.
ومن جانب آخر، يحلم العراقي البسيط بالحرية، وتأسيس نظام حكم
يوفرها له، ويمسح عن جبينه ذل الطغاة واستهتارهم بدمه وعرضه ودينه
وماله ووطنه، لكن ربط الحرية بالتقسيم يرهق تفكيره، لأن التقسيم من
أشد الأفكار استفزازا له، فهو مرفوض جملة وتفصيلا، والسؤال ألذي
يفرض نفسه، هو لماذا وصلت عملية بناء الديمقراطية في العراق إلى
هذا المستوى ألساذج من التفكير بها على مستوى القمة والقاعدة ؟
لقد أشار الدكتور (كمال المنوفي) في كتابه القيم (نظريات النظم
السياسية)، إلى أن الدول الديمقراطية ذات التنوع الاجتماعي، تستند
في نجاح الديمقراطية فيها إلى ما أسماه بـ(الديمقراطية الطائفية)،
وقوام هذه الديمقراطية هو((أن الميول الصراعية المتأصلة في بنية
المجتمع التعددي تقابلها ميول تعاونية أو تصالحية على مستوى زعماء
المجموعات المكونة له، ومن شان السلوك التعاوني النخبوي كبح جماح
العنف على الصعيد القاعدي ومن ثم تحقيق الاستقرار السياسي))، وعند
التأمل الدقيق في هذا الكلام نكتشف طبيعة المأزق الخطير الذي يواجه
بناء الديمقراطية في العراق، حيث إن التنوع الاجتماعي لا يصاحبه
وجود نخب تصالحية أو تعاونية تخفف حدته وتوجهه نحو السلام
والانسجام، بل على العكس توجد نخب تهيجية تلعب على وتر التنوع خدمة
لأهداف ضيقة مرتبطة بالسلطة ومن يتولى الحكم، نخب تحرص على صب زيت
الإنا الخادع على نار التنوع العدائي وصولا إلى أهدافها ، فيتم
تضخيم الإنا السني في مواجهة الإنا الشيعي، والإنا العربي في
مواجهة الإنا الكردي أو ألتركماني أو الكلدوآشوري، وبالعكس، حتى
صار المواطن في هذا البلد يسأل نفسه كل يوم ألف مرة، ألا يوجد تنوع
اجتماعي في بقية دول العالم، فلماذا نكتوي بنار تنوعنا بدلا من أن
يكون ذلك سبيلا إلى ترقيتنا وتطورنا؟
لقد أثار استغراب كل من زار العراق، وكل عراقي ترك العراق مسافرا
أو مهاجرا إلى غيره من البلدان مقدار الطيبة التي يمتاز بها شعب
العراق، فالعراقي مشهور بطيبة معشره، وسرعة إبداعه في العلوم
والمهارات، وانسجامه مع البيئات والمجتمعات المختلفة، فأي لغز هذا
الذي يمنع إنسانا يمتاز بهذه السمات الحضارية من أن يكون أكثر طيبة
وإبداعا وانسجاما في بيئته الخاصة، وهو يتعامل مع أبناء وطنه؟.
إذا أدرك صانع القرار العراقي، والمهتمون بأمر هذا البلد حقيقة
أنانية كثير من النخب العراقية، ولعبها على وتر التنوع خدمة
لمصالحها الضيقة، فسيكتشف سر هذا اللغز، وستتضح طبيعة الحل لهذه
المشكلة المتضخمة، أن مشكلة العراق هي نخبه وقادة الرأي فيه، وأن
بناء الديمقراطية يقتضي وجود نخب ديمقراطية تحرص على مصلحة البلد،
وتعمل على تهدئة التوترات ألاجتماعية الناجمة عن التنوع فيه، فتنشر
المحبة والسلام بدلا من البغضاء والأحقاد التي أوجدها طغاة
السلاطين ووعاظ السوء، وإذا وجدت هذه النخب، عندها لن تزيد مفردات
الديمقراطية والفيدرالية، وحقوق الإنسان وحرياته العامة، هذا البلد
إلا عزا وفخرا، ولن يصبح الحديث عن طيبة العراقي أمرا يتناقله
الوافدون والمهاجرون(الهاربون)أو المسافرون فقط، بل سوف يكون واقعا
يعيشه العراقي في بلده، وهو يبني أسرته، ويتعامل مع جيرانه وسكان
قريته ومدينته وبلاده.
خالد عليوي العرداوي
معاون مدير مركز الفرات للتنمية والدراسات
الستراتيجية
| أفضل مشاهدة 1024 × 768 |
| © جميع الحقوق محفوظة لمركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية1427هـ/ 2006م
|